هل بزغ فجر إنقاذ الدولة ؟
محمد حمزة الجبوري
ليس من السهل أن يقتنع العراقي بأن الدولة استعادت زمام المبادرة بعد سنوات طويلة بدا فيها القانون انتقائيا وتداخلت فيها السلطة مع النفوذ حتى أصبح كثيرون يعتقدون أن بعض الشخصيات السياسية تقف فوق المساءلة لذلك فإن أي تحرك يلامس هذه القناعة يثير سؤالا أكبر من الحدث نفسه هل بزغ فعلاً فجر إنقاذ الدولة؟ في الآونة الأخيرة شهد الشارع العراقي سلسلة من الإجراءات الأمنية والقضائية التي طالت عددا من المطلوبين بينهم شخصيات ذات حضور سياسي كبير وبغض النظر عن الأسماء والانتماءات فإن الرسالة الأهم لا تكمن في عدد الموقوفين بل في قدرة الدولة على إثبات أن القانون يسري على الجميع وأن الحصانة السياسية لم تعد مظلة للإفلات من العدالة؛
مشروع حقيقي
لكن التجارب السابقة تدعو إلى الحذر؛ فالعراقيون لم يعودوا يقيسون نجاح الدولة بضجيج البيانات بل بما تتركه من أثر دائم؛ وما لم تتحول هذه الإجراءات إلى نهج مؤسسي ثابت يخضع له الجميع دون استثناء أو انتقائية فإنها ستبقى مجرد أحداث عابرة لا مشروعا حقيقيا لاستعادة الدولة؛ إن بناء الدولة يبدأ عندما يشعر المواطن أن القضاء مستقل وأن الأجهزة الأمنية تتحرك وفق القانون وحده وأن النفوذ السياسي لا يستطيع تعطيل مذكرة قبض أو إخفاء متهم أو إيقاف مسار العدالة؛ عندها فقط تستعيد الدولة هيبتها ويستعيد المواطن ثقته بها؛ لقد أنهكت المحاصصة مؤسسات الدولة وفتحت أبواب الفساد على مصراعيها وأضعفت سلطة القانون حتى بات العراق بحاجة إلى لحظة فاصلة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والقوة وبين المنصب والمسؤولية وبين السلطة والمساءلة؛ فلا دولة قوية من دون عدالة ولا إصلاح حقيقي دون ضرب الأقوياء؛
قد تكون الحملة الأخيرة مؤشرا على بداية مختلفة وقد تكون اختبارا جديا لقدرة الدولة على المضي حتى النهاية؛ فالرهان ليس على اعتقال هذا المسؤول أو ملاحقة ذلك السياسي وإنما على ترسيخ قاعدة لا تتغير بتغير الحكومات لا أحد فوق القانون؛ يبقى السؤال معلقا هل نحن أمام فجر جديد يعيد للدولة اعتبارها أم أمام لحظة سرعان ما تنكسر أمام ضغوط السياسة وموازين النفوذ؟ العراق لا يحتاج إلى انتصارات إعلامية مؤقتة بل إلى دولة تمتلك الشجاعة والإرادة للاستمرار في طريق العدالة حتى النهاية مهما كانت الأسماء ومهما كانت المواقع ومهما بلغت كلفة القرار وننتظر خطوات اشد وقعا وايلاما للعابثين بالمال العام.