الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رقية وحلبجة.. حجر الأساس الذي فشلت السياسة في وضعه  

بواسطة azzaman

رقية وحلبجة.. حجر الأساس الذي فشلت السياسة في وضعه  

محمد البغدادي

 

مأساة رقية في شلال أحمد آوا لم تكن مجرد حادث غرق عابر يضاف إلى سجل الإهمال العراقي الطويل. كانت لحظة كشف مريرة كشفت عورة الدولة وكشفت في الوقت نفسه عافية المجتمع الذي لفظته المؤسسات منذ عشرين عاماً. حين تحولت الرحلة السياحية لطفلة من كربلاء إلى أيام بحث وترقب على ضفاف سيروان، لم يسأل الغواص الكردي من أي مذهب كانت رقية، ولم تسأل الأم الحلبجية من أي محافظة قدمت العائلة. السؤال الوحيد الذي وحّد اللهجات والقلوب كان بسيطاً وقاسياً: أين البنية؟ وفي هذه الكلمة تحديداً سقطت كل أساطير الفرقة التي بنى عليها السياسيون شرعيتهم.

الخطاب الرسمي منذ 2003 قام على إدارة الاختلاف لا تجاوزه. نفط وموازنة وسيطرات وحدود، كلها ملفات تحولت إلى جدران تفصل المركز عن الإقليم والعرب عن الكرد. لكن رقية هدمت الجدار بدمعة واحدة. دمعة أم من كربلاء التقت بدمعة أم من حلبجة على نفس الضفة، فاكتشفتا أن الوجع لا يحتاج إلى ترجمان. مذبحة حلبجة الكيميائية كانت وجع الكرد وحدهم، وتفجيرات كربلاء كانت وجع الشيعة وحدهم، أما رقية فقد صنعت وجعاً مشتركاً بالفعل لا بالبيانات. الوجع المشترك هو المادة الخام الوحيدة التي تبني الهويات الوطنية، فلا وطن يقوم على الخطب ولا على براميل النفط، وإنما يقوم على ذاكرة ألم يتشاركها الناس ويتفقون على دفنها معاً.

ما حدث على بوابة الشلال أعاد تعريف "النخوة" التي حاولت الدولة قتلها بالقانون والبيروقراطية. النخوة لم تعد قيمة عشائرية جنوبية، بل صارت القيمة العراقية الغائبة. حين هبّ أهالي حلبجة لنجدة عائلة لا يعرفونها، حين باتت شنطة رقية الوردية قضية رأي عام في السليمانية قبل البصرة، أعاد المجتمع صياغة المواطنة على قاعدة بدائية وعظيمة في آن: بيتك بيتي إذا ضاع منك أحد. هذه القاعدة لا تُدرّس في كتب الدستور، لكنها وحدها القادرة على جعل الأربعمئة كيلومتر بين كربلاء وحلبجة مسافة صفر.

ورقية منحت العراقيين عدواً واحداً يتفقون عليه بعد طول خصومة. السياسة صنعت لنا أعداء وهميين نتصارع عليهم في الفضائيات، لكن تيار الشلال كان عدواً حقيقيا لا يفرق بين لهجة وأخرى. حين يتفق أب من الجنوب وأب من الشمال على أن الإهمال والفوضى والمنافذ غير النظامية هي العدو، تصبح خلافاتهم الثانوية مجرد ضجيج. المشكلة أن هذا الاتفاق هش وقصير العمر إن لم يتحول إلى مشروع. كل مأساة في العراق بدأت حجر أساس وانتهت حجر قبر، لأنها بقيت في فضاء العاطفة ولم تنزل إلى الإسمنت. انتفاضة تشرين بدأت حلماً بوحدة جيل، وانتهت بملفات إهمال معلقة.

لكي لا تموت رقية مرتين، عليها أن تخرج من يد السياسيين الذين سيهرعون لركوب الموجة. القصة ملك المجتمع لا ملك وزارة، ويجب تأميمها قبل أن تتحول إلى شعار انتخابي. كما أن الرمز وحده لا يكفي. لا يكفي أن نبكي على ضفة الشلال ثم نعود إلى سيطرات الكمارك وبيروقراطية الورق. حجر الأساس يحتاج مدرسة باسم رقية في حلبجة، ومركز إنقاذ نهري مشترك بين المحافظات، وصندوق تعويضات للغرقى لا يفرق بين طفل من البصرة وطفل من دهوك. الرمز يجب أن يُترجم إلى مؤسسات، وإلا سيبتلعه النسيان كما ابتلع غيره.

الاختبار الأصعب سيكون مع القوى التي تعيش على الفرقة. نفس المصالح التي ترفض نظام "أسيكودا" في الجمارك لأنها تقتل اقتصاد المنافذ غير الرسمية، سترفض أي مشروع يوحد العراقيين على قاعدة إنسانية، لأن الوحدة تقتل سوقها. الدولة فشلت في بناء شعب العراق من الأعلى عبر الدساتير والاتفاقات، وربما ينجح المجتمع في بنائه من الأسفل عبر دمعة طفلة بريئة. رقية لم تمنحنا شهيداً نلطم عليه كل عام، بل منحتنا مرآة. وقف أمامها الكردي فرأى وجه العربي، ووقف العربي فرأى وجه الكردي، واكتشفا أن الشبه بين ملامحهما أكبر بكثير من الخلاف الذي افتعلته لهم المنابر. فإذا لم نبنِ الوطن على هذه المرآة، فعلى أي أساس سنبنيه بعد الآن؟

 


مشاهدات 41
الكاتب محمد البغدادي
أضيف 2026/06/21 - 1:34 PM
آخر تحديث 2026/06/22 - 2:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 20803 الكلي 15896284
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير