الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الكورد والعاصمة: فلسفة العلاقة بين الطرف والسلطة

بواسطة azzaman

الكورد والعاصمة: فلسفة العلاقة بين الطرف والسلطة

عطا شميراني

 

ليست العلاقة بين الكورد وبغداد مجرد فصلٍ من فصول السياسة العراقية، بل هي إحدى أكثر العلاقات تعقيدًا في تاريخ الشرق الأوسط الحديث؛ علاقةٌ كُتبت بين الجغرافيا والدم، وبين فكرة الدولة وقلق الهوية، وبين سلطة العاصمة وذاكرة الجبال.

 

فعلى امتداد قرنٍ كامل، بقيت بغداد في الوعي الكوردي أكثر من مجرد عاصمة. كانت رمزًا للقوة المركزية، وصورةً للدولة العراقية بكل تناقضاتها، ومسرحًا لصراعٍ طويل بين مشروع الهيمنة ومطلب الاعتراف القومي. ولهذا فإن فهم نظرة الكورد إلى بغداد لا يمكن أن يتم عبر السياسة وحدها، بل عبر التاريخ والذاكرة وعلم الاجتماع السياسي معًا.

 

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، دخل الكورد في علاقةٍ شديدة التعقيد مع بغداد. فالدولة التي وُلدت تحت المظلة البريطانية قامت على نموذجٍ مركزي جعل العاصمة مركز السلطة السياسية والعسكرية والإدارية، بينما وجدت القوميات والأطراف نفسها مطالبة بالتكيف مع مشروع دولة لم تشارك بالكامل في رسم هويته الأولى. ومنذ ذلك الوقت، بدأت المسافة النفسية والسياسية بين الجبال الكوردية وبغداد تتشكل عامًا بعد عام.

 

في الوعي الكوردي، لم تكن بغداد مجرد مدينة، بل كانت صورةً للدولة المركزية بكل ما حملته من نزعةٍ قوميةٍ عربية ومحاولاتٍ لفرض هويةٍ واحدة على مجتمع متعدد القوميات والثقافات. ولهذا شهد القرن العشرون سلسلة طويلة من الانتفاضات والمواجهات بين الحركة الكوردية والحكومات العراقية المتعاقبة. كانت العلاقة تمر أحيانًا بلحظات تفاهمٍ مؤقتة، ثم تعود سريعًا إلى دائرة الصدام بسبب غياب الثقة التاريخية بين الطرفين.

 

ولعل أكثر ما رسّخ صورة بغداد السلبية في الذاكرة الكوردية هو إرث الحروب وسياسات القمع، خصوصًا خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي. فحملات الأنفال والقصف الكيمياوي والتهجير لم تكن بالنسبة للكورد مجرد أحداثٍ سياسية عابرة، بل تحولت إلى جروحٍ عميقة أعادت تشكيل الوعي الجمعي الكوردي تجاه مفهوم السلطة المركزية. ولهذا يصعب على كثير من الكورد النظر إلى بغداد بعينٍ عاطفية أو اعتبارها امتدادًا وجدانيًا لهويتهم القومية.

 

لكن التاريخ لا يتحرك بالعاطفة وحدها. فبعد عام 2003، دخل العراق مرحلةً جديدة أعادت رسم العلاقة بين أربيل وبغداد على أسسٍ مختلفة. لأول مرة أصبح للكورد حضورٌ فعلي ومؤثر داخل بنية الدولة العراقية الجديدة، وشاركوا في كتابة الدستور وتشكيل الحكومات وصناعة القرار السياسي. وفي المقابل، حصل إقليم كوردستان على مساحةٍ واسعة من الإدارة الذاتية والاستقرار الأمني والاقتصادي مقارنةً ببقية العراق.

 

هذه التحولات أنتجت وعيًا كورديًا أكثر تعقيدًا تجاه بغداد. فمن جهة، بقيت الذاكرة التاريخية حاضرة بقوة، ومن جهةٍ أخرى ظهرت حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: بغداد ما تزال مركز الدولة العراقية، وأي استقرار طويل الأمد في كوردستان يرتبط بشكلٍ أو بآخر بطبيعة العلاقة مع العاصمة. فالاقتصاد العراقي مترابط، وملفات النفط والميزانية والتجارة والطاقة والأمن جميعها تجعل من المستحيل تقريبًا فصل مصير أربيل عن بغداد بالكامل.

 

ولهذا بدأ جزء من النخبة الكوردية ينظر إلى بغداد بوصفها “ضرورة استراتيجية” أكثر من كونها “عمقًا قوميًا”. فالكورد يدركون أن السياسة تُبنى على توازن المصالح لا على الأحلام فقط. كما أن الجغرافيا فرضت على كوردستان أن تكون محاطة بدولٍ تمتلك حساسياتٍ تاريخية تجاه القضية الكوردية، ما جعل العلاقة مع بغداد، رغم كل أزماتها، أقل تعقيدًا أحيانًا من العلاقات الإقليمية الأخرى.

 

ومع ذلك، يبقى هناك تيار واسع داخل المجتمع الكوردي يرى أن الاعتماد المفرط على بغداد يمثل خطرًا سياسيًا طويل الأمد، لأن التجربة التاريخية أثبتت – بحسب هذا الرأي – أن التوازنات العراقية متقلبة، وأن الحكومات تتغير باستمرار، بينما تبقى المصالح القومية للكورد بحاجةٍ إلى ضماناتٍ أقوى من التفاهمات السياسية المؤقتة. ولهذا يركز هذا التيار على بناء مؤسساتٍ قوية داخل كوردستان، وتعزيز الاقتصاد المحلي، والانفتاح على العالم، باعتبار أن العمق الحقيقي لأي شعب يبدأ من قدرته على حماية ذاته وهويته ومؤسساته.

 

ومن زاويةٍ ثقافية، فإن العلاقة بين الكورد وبغداد لم تكن يومًا علاقة صراعٍ خالص. فالعاصمة العراقية احتضنت على مدى عقود أعدادًا كبيرة من المثقفين والسياسيين والفنانين الكورد، كما شارك الكورد في تشكيل الحياة الثقافية والفكرية العراقية الحديثة. بغداد نفسها تأثرت بالحضور الكوردي، سواء في السياسة أو الأدب أو الموسيقى أو المجتمع. وهذا التداخل الإنساني يجعل العلاقة أكثر تعقيدًا من مجرد ثنائية “صراع أو شراكة”.

 

إن بغداد في الوعي الكوردي المعاصر ليست مدينةً عادية، بل رمزٌ متعدد الطبقات. إنها مدينة الدولة التي يخشاها البعض، ومدينة السياسة التي لا يمكن تجاهلها، ومدينة التاريخ التي حملت فصولًا من الألم والتعايش معًا. ولهذا فإن الموقف الكوردي من بغداد لا يمكن اختزاله بشعارٍ واحد أو موقفٍ عاطفيٍ سريع، لأنه نتاج قرنٍ كامل من التجارب المتراكمة.

 

في النهاية، قد لا تكون المشكلة الحقيقية بين الكورد وبغداد مشكلة حدودٍ أو صلاحياتٍ دستورية فقط، بل مشكلة ثقةٍ تاريخية لم تُحل بالكامل منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة. فالدول تستطيع توقيع الاتفاقيات، لكن الذاكرة الجماعية للشعوب لا تُدار بالوثائق وحدها.

 

ولهذا تبقى بغداد، في الوعي الكوردي المعاصر، مدينةً تحمل معنيين متناقضين في آنٍ واحد: ذاكرة السلطة التي أخافت الكورد طويلًا، وضرورة السياسة التي لا يستطيعون تجاهلها. وبين هذين المعنيين، يستمر العراق في البحث عن تعريفٍ جديد للدولة، يكون قائمًا على الشراكة لا الغلبة، وعلى الاعتراف بالتعددية لا الخوف منها.

 

فربما يكون مستقبل العراق الحقيقي مرهونًا بقدرته على تحويل العلاقة بين الكورد والعاصمة من علاقة “طرفٍ وسلطة” إلى علاقة “شعبٍ ودولة”.


مشاهدات 251
الكاتب عطا شميراني
أضيف 2026/05/31 - 1:09 PM
آخر تحديث 2026/06/01 - 2:44 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 602 الشهر 602 الكلي 15876083
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير