الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الولادة المفاجئة بين الكوخ والمنجم

بواسطة azzaman

الولادة المفاجئة بين الكوخ والمنجم

عباس التميمي

 

في لحظاتٍ نادرة، تصوغ السياسة مشاهد تتجاوز الوقائع إلى الرمزية الخالصة، صورة خروج السوداني من منزله المتواضع في العمارة، بملامحها البسيطة، لم تكن لقطة عابرة؛ بل تحوّلت إلى علامةٍ ذهنيةٍ علّق عليها كثيرون آمالهم، حتى بدت، في الوعي الجمعي، أقرب إلى بوصلةٍ للفقراء وهم يغادرون صباحتاهم نحو أعمالٍ شاقة وحياةٍ محدودة الإمكانات.

   لكنني أعترف أن هذه الصورة لم تبقَ على نقائها طويلًا، فقد جاءت نهاية المرحلة مثقلةً بقراراتٍ وُصفت بالقاسية، فبدت كأنها تقوّض تلك الرمزية الأولى، وتعيد تشكيلها في اتجاهٍ مغاير، هكذا تراجعت الصورة الهادئة لتحلّ محلها أخرى أكثر التباسًا، صورةٌ لرجلٍ يغادر بصمت، بعدما تداخلت في تجربته البدايات البسيطة مع نهاياتٍ مثيرة للجدل ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأبرز أن الرجل جاء من طبقةٍ متوسطة، وحمل إلى موقع السلطة ملامحها، وغادرها من دون أن يتخلّى عن بساطته الشكلية، في مشهدٍ لا يشبه صخب المناصب.

فضاء السياسة

في المقابل، يبرز اسم الزيدي بوصفه تجسيدًا لنمطٍ مختلف؛ صعودٌ أقرب إلى “ولادةٍ مفاجئة” في فضاء السياسة ، لم يكن الرجل في صدارة التوقعات، ولا في قلب المشهد، لكنه وجد نفسه فجأة في موقع متقدم، مدفوعًا بعوامل القوة والمال والنفوذ، ليحمل معه دلالة “المنجم” بما تعنيه من وفرةٍ وإمكاناتٍ كبيرة ، إنه انتقالٌ لا يعكس مجرد تغييرٍ في الأسماء، بل يكشف عن طبيعة لحظةٍ سياسيةٍ تتبدّل فيها معايير الصعود.

هذا الانتقال من “الكوخ” إلى “المنجم” ليس مجرد مقارنةٍ بين شخصين، بل قراءةٌ لتحوّلٍ أعمق في بنية المشهد السياسي، فحين يغيب نموذج البساطة، ويبرز نموذج الثراء المفاجئ، يطفو سؤالٌ ملحّ: هل تغيّرت معايير الوصول إلى السلطة؟ أم أن الواقع السياسي بات أكثر خضوعًا لموازين القوة المادية منه لقيم القرب من الناس؟

اللافت أن “الولادة المفاجئة” لم تعد استثناءً في السياسة العراقية، لكنها في هذا السياق تحمل دلالاتٍ أوضـــــــــــــح؛ إذ تكشف أن الطريق إلى السلطة لم يعد يمر بالضرورة عبر التدرّج التقــــــــــــــليدي أو التراكم الشعبي، بل قد يُفتــــــــــح فجأةً أمام أسماءٍ لم تكن مطروحة، بفعل تحالفاتٍ معقّدة، أو لحــــــــــــظة توافقٍ عابرة، أو حتى فراغٍ يبحث عمّن يملأه بسرعة.

معادلة حقيقية

ومع ذلك، تظل المفارقة قائمة: فالبدايات لا تضمن النهايات. فالبساطة، مهما بدت جذابة، لا تكفي وحدها لضمان النجاح، كما أن الثراء، مهما اتّسع، لا يمنح صاحبه استقرارًا سياسيًا تلقائيًا ،  وبين هذين الحدّين، تبقى المعادلة الحقيقية في القدرة على إدارة الدولة، وتحويل اللحظة العابرة إلى مشروعٍ مستدام.

إن صورة الخروج الهادئ من بيتٍ بسيط، في مقابل صعودٍ مفاجئ من خارج الحسابات، تختزل واقعًا عراقيًا متقلّبًا، تتداخل فيه الرمزية مع المصالح، والآمال مع الحسابات، وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو الرقيب الصامت، ينتظر أن تتحوّل هذه “الولادات المفاجئة” إلى فرصٍ حقيقية للإصلاح، لا مجرد تبدّلٍ في الوجوه.

في النهاية، ليست القضية في من أين جاء المسؤول من كوخٍ أم من منجم بل في إلى أين يقود البلاد بعد أن يصل، فالتاريخ لا يدوّن بدايات الرجال، بل يخلّد ما يفعلونه حين تُمنح لهم السلطة.

 

 


مشاهدات 136
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/05/04 - 4:27 PM
آخر تحديث 2026/05/05 - 6:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 267 الشهر 4056 الكلي 15249250
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/5/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير