الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة تحليلية.. الهدنة بعد 40 يوماً

بواسطة azzaman

قراءة تحليلية.. الهدنة بعد 40 يوماً

علي موسى الكناني

 

في أجواء توتر خانقة، حيث تعالت أصوات الصواريخ والطائرات، وارتفعت نبرة التهديد بين الولايات المتحدة وإيران، ظهر وقف إطلاق النار كوهج مؤقت يخفف حدّة الظلال الداكنة التي غطت المنطقة. لكنه ليس مجرد لحظة تهدئة عابرة؛ فهو فسحة لاستنشاق الأمل، ونافذة لإعادة ترتيب أوراق الصراع الإقليمي والدولي المعقد.التصعيد الأخير جاء نتاج تراكمات من النفوذ، والبرنامج النووي، وأمن الممرات الاستراتيجية، حيث كل تحرك يحرك الآخر في سلسلة لا تنتهي من التفاعلات المتشابكة. وفي هذا السياق، يبدو وقف إطلاق النار أقل من حلّ جذري وأكثر من مجرد تهدئة تكتيكية، أداة لإعادة ضبط الاشتباك قبل أن يغرق الجميع في دوامة غير قابلة للسيطرة.سياسياً، يعكس وقف إطلاق النار استراتيجية «التصعيد المحسوب ثم الاحتواء»، حيث ترسل الأطراف رسائل قوة وردع دون تجاوز نقطة اللاعودة. فالحرب الشاملة، مهما كانت مغرية، مكلفة للغاية، وتداعياتها لا يمكن لأي طرف السيطرة عليها. ومن هذا المنطلق، تصبح التهدئة مدخلاً لإعادة ترتيب الخيارات الدبلوماسية، وفرصة لإعادة قراءة الأوراق، ومحاولة نسج تفاهمات، ولو جزئية، قبل أن تعود دوامة الصراع.

رقعة مواجهة

أما إقليمياً، فقد منعت الهدنة تمدد رقعة المواجهة إلى ساحات جديدة كانت مهيأة للاشتعال، في منطقة تُدرك فيها الجبهات ترابطها، ويكون أي تصعيد فيها كشرارة يمكن أن تشتعل عبر حلفاء وأطراف مرتبطة. وهكذا، فإن تأثير وقف إطلاق النار يمتد ليشمل الاستقرار الإقليمي كله، ولو بشكل هش ومؤقت، كما لو أن المنطقة على حافة توازن هشة بين الانفجار والهدوء.اقتصاديا، يعكس هذا الهدوء المؤقت أثره في الأسواق العالمية، فالشرق الأوسط يشكل مركزا حيويا للطاقة، وأي تهديد لممراته البحرية—خصوصاً مضيق هرمز—قد يؤدي إلى اضطراب عالمي في أسعار النفط وسلاسل الإمداد. التهدئة، إذن، ليست مجرد سياسية، بل حماية لمقدرات اقتصادية حيوية، وإعادة الثقة للأسواق، وتخفيف الضغوط عن الموارد الوطنية التي كانت ستنغمس في سباق إنفاق عسكري مرهق.

لكن هشاشة هذا الاستقرار مازالت قائمة، فالجذور العميقة للصراع لم تُعالج بعد. أي خرق للهدنة أو تصعيد جديد سيعيد المنطقة إلى دائرة الترقب والتهديد. استراتيجياً، يظل الوضع بمثابة حالة «لا حرب ولا سلم»، حيث تُدار الصراعات عبر جولات متقطعة من التصعيد والتهدئة، وهو نمط يعكس غياب الحلول الجذرية، واعتمادًا متزايدًا على إدارة الأزمات بدل حلها.خلاصة القول، إن وقف إطلاق النار ليس نهاية الطريق، بل محطة مرحلية. هو فسحة أمل تمنح الأطراف فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، ومكاسب سياسية واقتصادية مؤقتة، لكنه يترك المنطقة على إيقاع هش من الاستقرار، يذكّر الجميع بأن السلام الكامل مازال حلما يتأرجح بين الظلال والأنوار.

 □ باحث استراتيجي مختص بالامن السيبراني

 

 


مشاهدات 83
الكاتب علي موسى الكناني
أضيف 2026/04/12 - 3:59 PM
آخر تحديث 2026/04/13 - 11:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 461 الشهر 10678 الكلي 15228751
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير