الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الذكاء الصناعي.. والحرب

بواسطة azzaman

الذكاء الصناعي.. والحرب

محمد زكي ابراهيم

 

لا أظن أن بوسع أحد اليوم أن يتجرأ على كتابة مقال، أو تدوين سانحة، أو الإدلاء بتعليق، وغير ذلك مما يخطر على باله من شأن خاص، متجاهلاً ما يدور بالقرب منه من حرب ضروس، وهجمات متبادلة، وتهديدات صاخبة.

الكلام الذي يتناول شؤون الحياة اليومية المعتادة بات من المحرمات، ليس لأنه ممنوع، أو مرذول، أو لأنه يتخطى الحدود، بل لأن أحداً لن يعيره اهتماماً في قليل أو كثير، وقد يتعرض للسخرية والاستهجان والازدراء!.

مثل هذا الأمر ليس غريباً أو مفاجئاً، فالمزاج الشعبي العام يتأثر كثيراً بما يدور حوله من أفعال ومتغيرات، خاصة إذا كانت انعكاساً لحرب مدمرة لم يشهد لها تاريخ المنطقة مثيلاً، ليكون مستقبلها مرهوناً بما تسفر عنه من نتائج ومردودات.

ليس هذا فقط، بل إنني أكاد أجزم أن محترفي الظهور في القنوات الإعلامية من خطباء ومحللين ودعاة، لم يعد يصغي إليهم من المواطنين إلا النزر اليسير.. إن وجد! وهؤلاء الذوات يمثلون اتجاهات مختلفة تجنح نحو هذا الطرف أو ذاك، ويخوضون هذه المنازلة الشرسة بالأصالة أو النيابة، أو الحماس الثوري غير المعهود.

إن مثل هذه الحرب في الشرق الأوسط، لا بد أن تحظى باهتمام وملاحقة العالم بأجمعه، حتى وإن لم يكن بالدرجة التي انتهينا إليها نحن، فهي بالنسبة لنا معاناة دائمة لن تنتهي بتوقف القتال، بل ستستمر إلى أجل غير محدود، مثلما هي الحال مع الحروب الكبرى التي وقعت في القرن الماضي.

لقد أثار في خاطري هذه الشجون ما بثته إحدى القنوات) غير المنضبطة)! من وصلات غنائية مرحة لإحدى المطربات الفاتنات، الحريصات على إظهار كل ما هو جميل وخلاب، فوجدت جميع الجالسين يتأففون من هذه المناظر التي كانوا يتمايلون لها طرباً قبل أسابيع قليلة، ويعجبون كيف اختارت القناة مثل هذه الفقرات الغنائية في هذا الوقت الحرج.

ولأنني لا أريد أن أخوض في تفاصيل الهجمات الصاروخية اليومية، وحجم الدمار الذي تحدثه في المكان الذي تسقط فيه، فإنني وجدت أن أفضل حل لهذه المشكلة يكمن في كتم أصوات المتحدثين، سواء منهم الذين يتحدثون بروية، أو الذين يثورون على زملائهم، أو يستخفون بهم، وغير ذلك من الأمور، وأكتفي بشريط الأخبار وبعض الصور التي تبث هنا وهناك.

لكنني اكتشفت لسوء الحظ أن الكثير من هذه الصور تفتقد للمصداقية، بعد أن دخل عليها ما بات يعرف بالذكاء الصناعي، فغدا الشك سيد المواقف، وأصبح وسيلة سهلة من وسائل الإنكار والتزييف وغمط الحقائق. وبالطبع فإن شريط الأخبار الذي كنت أكتفي به أخذ يتأثر بهذه الظاهرة هو الآخر، ويصوغ على وفقها ما تجود به قرائح المحررين من تزويق وتفصيل.

وهكذا ضاعت الحقائق، ودخلنا عالم التيه، والله وحده يعلم متى نخرج منه، فليست هناك دلائل على أنه سيزول بمرور الوقت، بل سيتعاظم ويكبر، ويصبح سيد الموقف في كل صغيرة وكبيرة، وهو إشارة إلى أن حياتنا سائرة نحو اللاوعي واللامنطق، وأن كل ما خطته أيدي العلماء وأهل الرأي عبر قرون من البحث والدرس والمناظرة، لم يعد يهم أحداً في قليل أو كثير.

سيكون على العالم المتحضر أن يعيد النظر في كل ما يحدث، بعد أن تضع هذه الحرب أوزارها، ويعيش الناس في سكينة وأمن، ويراجع كل ما اقترفت أيدي رجاله من اكتشافات ومخترعات، فلا شك أن عالماً يعيش على الجري وراء رغيف الخبز، هو أفضل بكثير من عالم ثري متنعم يغرق في المآسي والأوزار!.

 


مشاهدات 64
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2026/04/04 - 3:17 PM
آخر تحديث 2026/04/05 - 10:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 334 الشهر 3779 الكلي 15221852
الوقت الآن
الأحد 2026/4/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير