الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف تحولت المواجهة العسكرية إلى معادلة لإعادة توزيع الكلفة ؟

بواسطة azzaman

الحرب والطاقة والممرات وسياسة التصعيد

كيف تحولت المواجهة العسكرية إلى معادلة لإعادة توزيع الكلفة ؟

أسامة أبو شعير

 

لم تعد هذه حرباً تُقرأ بعدد الصواريخ أو دقة الضربات، بل بسؤال أبسط وأخطر: من يملك حق تعريف الكلفة… ومن يملك قرار توزيعها؟ فمع اقتراب العمليات من محطات الطاقة وممرات الشحن ومنشآت المياه، لم يعد الصراع عسكرياً خالصاً، بل اختباراً لقدرة كل طرف على نقل الحرب من ميدانها المباشر إلى البنية التي يقوم عليها العالم نفسه.

تبدو التصريحات وكأنها تصف الحدث، لكنها في الحقيقة تكشف اختلافاً أعمق في تعريفه. الولايات المتحدة تتحدث عن حرية الملاحة، إسرائيل عن تفكيك القدرة، إيران عن الرد والسيادة، والخليج عن الاستقرار. لكن خلف هذه اللغة، هناك واقع آخر يتشكل: الحرب لم تعد على الأرض فقط، بل على الممرات والطاقة، وعلى من يملك القدرة على جعل الآخرين يدفعون الثمن.

بنية تحتية

الخطاب الأميركي لا يسعى، كما يبدو، إلى توسيع الحرب بقدر ما يسعى إلى منع تحولها إلى أزمة طاقة عالمية. التلويح بضرب البنية التحتية للطاقة في إيران ليس هدفاً بحد ذاته، بل أداة لإعادة رسم الخط الأحمر: لا يمكن استخدام الممرات الحيوية كوسيلة ابتزاز مفتوحة. لذلك يظل التركيز على أمن الملاحة أكثر من الحسم العسكري.

في المقابل، ترى إسرائيل في الحرب فرصة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية، لا مجرد احتواء التهديد. فالضربات التي طالت عمق البنية الإيرانية لا تُقرأ فقط كرسائل ردع، بل كمسار لتقليص قدرة إيران على التأثير مستقبلاً، خاصة عبر الطاقة والممرات البحرية. هذا فرق جوهري بين من يريد إدارة الأزمة، ومن يريد إعادة صياغة ما بعدها.

أما إيران، فلا يمكن فهمها كصوت واحد. هناك إيران الدولة، التي يتحدث باسمها وزير الخارجية بلغة القانون والسيادة، وهناك إيران الثورة، التي يدير منطقها الحرس الثوري، حيث لا تُقرأ الحرب كأزمة بل كساحة لإعادة توزيعها. بين هذين المستويين يتشكل القرار الفعلي.

هذا ما يفسر التناقض الظاهري في السلوك الإيراني: التلويح بإغلاق كامل للممرات مع إبقاء مرور مشروط. الإغلاق الكامل يوحّد الخصوم ضد إيران، أما الإغلاق الانتقائي فيربكهم.

إنها ليست ازدواجية، بل استراتيجية دقيقة: استخدام الجغرافيا كأداة ضغط دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.

 دول الخليج العربي، في هذا المشهد، لا تتحدث بلغة الخوف كما قد يبدو، بل بلغة المستقبل تحت ضغط الخطر. فالمشكلة لم تعد في الضربة، بل في ما بعدها: الملاحة، التأمين، سلاسل الإمداد، كلفة التمويل، وثقة المستثمر. السؤال لم يعد كيف نتجنب الضربة، بل هل تبقى المنطقة بيئة يمكن التنبؤ بها؟

ولهذا، فإن دعوات التهدئة لا تعكس تراجعاً، بل دفاعاً عن نموذج اقتصادي كامل. وحتى الآن، أثبتت دول الخليج العربي قدرة واضحة على إدارة التهديد دون الانزلاق إلى ردود فعل، محافظةً على توازن دقيق بين الردع وتفادي التصعيد.

وهنا يتقاطع الأمني مع الاقتصادي بشكل لم يعد قابلاً للفصل. فارتفاع أسعار النفط وتراجع حركة الناقلات ليس انعكاساً للحرب فقط، بل جزء من أدواتها.

فالحرب لم تعد تُقاس بما تُدمره، بل بما تعيد تسعيره.

وفي الخلفية، تتحرك قوى كبرى بمنطق مختلف. فالصين، بوصفها أكبر مستهلك للطاقة الخليجية، تنظر إلى الاستقرار من زاوية التدفق لا الاصطفاف، بينما ترى روسيا في اضطراب الأسواق فرصة لتعزيز موقعها الاقتصادي والسياسي. كلاهما لا ينخرط بالكامل، بل يعيد التموضع وفق المصلحة.

كما تبقى أطراف أخرى أقل ضجيجاً لكنها مؤثرة. فتركيا، بحكم موقعها وتشابك مصالحها، تراقب التوازنات وتعيد حساباتها بين الفرص والمخاطر. وداخل الخليج نفسه، لا تتحرك الدول ككتلة واحدة؛

فبعضها طوّر نموذجاً مرناً في إدارة المخاطر يجمع بين الانفتاح الاقتصادي والدور الجيوسياسي، ما يجعله فاعلاً لا تابعاً.

وفي قلب هذا كله يقف مضيق هرمز، ليس كممر مائي فقط، بل كأداة تعريف للحرب نفسها. هل يبقى قناة للتجارة العالمية، أم يتحول إلى أداة ضغط جيوسياسي؟ الإجابة لا تُحسم بالتصريحات، بل بالقرارات الفعلية.

مورد اقتصادي

ومن هنا، فإن أخطر ما يجري ليس احتمال إغلاق المضيق بحد ذاته، ولا حتى استهداف منشآت الطاقة، بل انتقال الحرب من منطق الردع إلى منطق نزع الأدوات. فإذا تحولت الطاقة من مورد اقتصادي إلى هدف عسكري، وإذا أصبحت الممرات البحرية جزءاً من بنك الأهداف، فإن الحرب تكون قد غادرت حدودها التقليدية، ودخلت منطقة يصعب احتواؤها.

السؤال لم يعد: من سيصعّد؟

بل: من يملك قرار التوقف… ومن يملك حق منع الآخر من التوقف؟

هذا “المنع” لا يحدث بقرار مباشر، بل عبر رفع كلفة التراجع. حين يصبح الانسحاب أكثر كلفة من الاستمرار، يتحول التصعيد إلى مسار شبه إجباري.

وقد يتحقق ذلك بتوسيع بنك الأهداف أو نقل المعركة إلى مجالات يصعب الخروج منها دون خسارة استراتيجية.

لكن هذه الأدوات لا تُوزّع بالتساوي. إيران تمتلك أدوات غير متماثلة ترفع كلفة التراجع عبر شبكاتها الإقليمية. الولايات المتحدة تستخدم بنية العقوبات والتحالفات لرفع كلفة التهدئة على الحلفاء. أما إسرائيل، فتتحرك تحت ضغط مزدوج داخلي وخارجي يجعل التراجع أكثر كلفة من الاستمرار.

في الولايات المتحدة، القرار سياسي… لكنه مقيّد.

في إسرائيل، القرار أمني… لكنه مضغوط.

في دول الخليج العربي القرار دفاعي اقتصادي… هدفه الحماية والاستقرار .

أما في إيران، فالقرار مزدوج في الخطاب… مركّز في الفعل.

وهنا تتكشف المفارقة: ليس فقط من يملك القرار… بل من لا يملك حق الاعتراض عليه.

وفي النهاية، لا يُقاس ثمن هذه الحرب بما يصيب المنشآت فقط، بل بما يصيب الناس: العامل الذي ينتظر سفينة لم تصل، المدينة التي تعتمد على محطة تحلية، السوق التي تعيد تسعير الخوف كل صباح.

هذه الحرب لا تبحث عن نصر سريع، بل عن إعادة توزيع الكلفة. ومن ينجح في تحديد من يدفع الثمن، ومتى، وكيف… هو من سيكتب شكل النظام الذي سيليها او على الأقل سيحاول جاهدا.

المهم هو هل أننا قادرون ان نستعيد اقتصاد الاستقرار الذي لابديل عنه لحماية المستقبل؟

 

 


مشاهدات 52
الكاتب أسامة أبو شعير
أضيف 2026/03/25 - 4:13 PM
آخر تحديث 2026/03/26 - 1:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 71 الشهر 21001 الكلي 15213069
الوقت الآن
الخميس 2026/3/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير