سيرة إبداع وإنسانية في حياة فنان الشعب الدكتور مفيد الناصح
أحمد جاسم الزبيدي
في حياة الإنسان لحظات وصدف تترك أثرًا لا يُمحى، وتصبح مع مرور الزمن جزءًا من ذاكرته الشخصية والثقافية. ومن بين تلك الصدف الجميلة في حياتي، والتي أعتز بها كثيرًا، تعرّفي إلى الفنان الدكتور مفيد الناصح. لم تكن تلك المعرفة مجرد لقاء عابر مع فنان، بل كانت نافذة على شخصية استثنائية جمعت بين الفن والعلم والإنسانية في آنٍ واحد.
ورغم فارق العمر بيننا، فقد نشأت بيننا علاقة صداقة إنسانية دافئة، كان الحديث خلالها ممتعًا ومليئًا بالحيوية. فالرجل يتمتع بذكاء حاد وبديهة حاضرة وروح ساخرة محببة، إلى جانب تواضعٍ نادر يجعلك تشعر أنك أمام إنسان قريب إلى القلب منذ اللحظة الأولى. وكما يقول العراقيون في وصف الشخصية التي تلامس القلوب سريعًا: “ينقع في القلب”.
فنان يكتب ذاكرة الأغنية العراقية
لم يكن مفيد الناصح مجرد ملحن يضيف لحنًا إلى أرشيف الأغنية العراقية، بل كان واحدًا من أولئك الذين شاركوا في صياغة جزء مهم من ذاكرة الموسيقى العراقية الحديثة. فقد قدّم ألحانًا لعدد من كبار المطربين الذين تركوا بصمتهم في وجدان الجمهور، ومن بينهم الفنان الكبير فؤاد سالم، صاحب الصوت الذي ظل يعبّر عن وجدان العراقيين في فترات صعبة من تاريخهم.
كما تعاون مع المطرب المعروف الدكتور فاضل عواد، الذي أدّى عددًا من الأغنيات التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الفنية العراقية. ومن بين تلك الأعمال التي رسخت في ذاكرة الجمهور أغنية يلجمالك سومري، التي حملت في كلماتها ولحنها روح العراق العميقة، واستحضرت جمال الأرض العراقية الممتد من حضارة سومر إلى حاضر البلاد.
لقد امتاز أسلوب مفيد الناصح في التلحين بالجمع بين الأصالة والتجديد، فهو ينطلق من الجذور الموسيقية العراقية، لكنه يقدّمها بروح حديثة، مما جعل ألحانه قريبة من وجدان الجمهور وقادرة على البقاء عبر الزمن.
بين الموسيقى والعلم… شخصية متعددة الأبعاد
غير أن الجانب الفني في شخصية مفيد الناصح لا يمثل إلا جزءًا من حكايته. فالرجل في الأصل عالم وباحث أيضًا، وهو ما يجعل تجربته استثنائية بكل معنى الكلمة. فمن النادر أن يجتمع في شخص واحد هذا القدر من الاهتمام بالفن والبحث العلمي في آنٍ معًا.
وقد عُرف في الأوساط العلمية بدوره في تطوير بعض مجالات الثروة السمكية في العراق، حيث كان من أوائل من أسهموا في إدخال أسماك الكارب إلى البلاد، وهي خطوة كان لها أثر في تطوير الإنتاج السمكي وتعزيز الأمن الغذائي في العراق.
هذه المفارقة الجميلة بين الموسيقى والعلم تعكس جانبًا مهمًا من شخصية مفيد الناصح ، فهو فنان بعقل عالم، وعالم بقلب فنان. وربما كان هذا التوازن هو ما منح أعماله عمقًا إنسانيًا خاصًا، وجعل حضوره يتجاوز حدود الفن وحده.
الإنسان قبل الفنان
من يعرف مفيد الناصح عن قرب يدرك أن أهم ما يميزه ليس فقط موهبته الفنية أو إنجازاته العلمية، بل إنسانيته وبساطته. فهو بعيد كل البعد عن مظاهر النجومية المصطنعة، ويعيش حياة بسيطة تشبه إلى حد بعيد حياة الناس الذين أحبهم وغنّى لهم.
في مجالسه الخاصة، يتحول الحديث معه إلى رحلة في ذكريات الفن العراقي، وحكايات عن زمنٍ كانت فيه الأغنية رسالة ثقافية قبل أن تصبح صناعة تجارية. يروي قصصًا عن تعاوناته الفنية، وعن علاقاته مع المطربين والشعراء، وعن تلك الأيام التي كانت فيها الكلمة واللحن يولدان من قلب التجربة الإنسانية.
الفن والإعلام… حكاية إنصاف مؤجل
لكن الحديث عن تجربة فنان مثل مفيد الناصح يقودنا بالضرورة إلى سؤال مؤلم يتعلق بعلاقة الفن الحقيقي بالإعلام. فالكثير من المبدعين العراقيين لم يحظوا بما يستحقونه من اهتمام وتقدير إعلامي، رغم أنهم كانوا من صُنّاع الذاكرة الفنية للبلاد.
وفي الوقت الذي كان فيه هؤلاء الفنانون يعملون بصمت ويقدّمون أعمالًا خالدة، كان الإعلام في كثير من الأحيان ينشغل بترويج الظواهر السطحية والأعمال الفنية الخفيفة التي سرعان ما تختفي من الذاكرة.
هذه المفارقة ليست جديدة في تاريخ الثقافة العربية عمومًا، لكنها تبدو أكثر إيلامًا حين نتحدث عن بلد مثل العراق، الذي يمتلك إرثًا موسيقيًا وثقافيًا غنيًا يستحق أن يُحفظ ويُحتفى به.
فنان الشعب… لقب يستحقه
ربما لهذا السبب أجد أن لقب “فنان الشعب” يليق تمامًا بالدكتور مفيد الناصح. فهو لم يكن فنانًا نخبويًا يعيش بعيدًا عن الناس، بل كان دائم القرب منهم، يعبر في ألحانه عن مشاعرهم وأحلامهم وذكرياتهم.
لقد كان جزءًا من زمنٍ جميل في تاريخ الأغنية العراقية، زمنٍ كان فيه الفن مرآة للروح العراقية بكل ما فيها من شجن وكرامة وأمل. ورغم تغير الأزمنة والظروف، فإن تلك الألحان ما زالت قادرة على استحضار ذلك الزمن في ذاكرة من عايشوه أو سمعوا عنه.
الذاكرة التي لا تغيب
إن الحديث عن فنان مثل مفيد الناصح ليس مجرد استعادة لاسم في أرشيف الأغنية العراقية، بل هو استعادة لمرحلة كاملة من الإبداع العراقي الذي صنعته مواهب حقيقية آمنت بالفن بوصفه رسالة إنسانية.
فالفنانون الكبار قد يبتعدون عن الأضواء أحيانًا، لكن أعمالهم تبقى حاضرة في ذاكرة الشعوب. وهذا ما ينطبق تمامًا على تجربة مفيد الناصح، الذي استطاع أن يترك بصمة هادئة لكنها عميقة في تاريخ الفن العراقي.
وفي زمنٍ تتغير فيه الأذواق بسرعة، تبقى الأعمال الصادقة وحدها قادرة على الصمود. وربما لهذا السبب ما زال كثير من العراقيين يستمعون إلى تلك الأغنيات القديمة بشيء من الحنين، وكأنها تعيد إليهم جزءًا من ذاكرتهم الشخصية والجماعية.
كلمة أخيرة
حين أستعيد اليوم ذكرياتي مع الدكتور مفيد الناصح، لا أستحضر فقط صورة فنان موهوب أو عالم مجتهد، بل أستحضر قبل كل شيء صورة إنسان طيب القلب، بسيط الروح، عاش حياته بين العلم والموسيقى دون ضجيج.
إنه واحد من أولئك الذين قد لا تصنعهم الأضواء، لكنهم يصنعون ذاكرة وطن بأكمله.
ولذلك سيبقى اسم مفيد الناصح حاضرًا في تاريخ الفن العراقي، ليس فقط باعتباره ملحنًا مبدعًا، بل باعتباره إنسانًا جمع بين العلم والفن… وترك في الاثنين أثرًا لا يُنسى.