فخري الزبيدي رائد صندوق السعادة وصانع البهجة البغدادية
بغداد - جواد الرميثي
يُعدّ الفنان فخري رسول الزبيدي واحداً من الوجوه الثقافية والفنية التي تركت أثراً واضحاً في ذاكرة العراقيين، سواء عبر المسرح أو الإذاعة أو التلفزيون، أو حتى من خلال بصمته الإدارية في أمانة العاصمة. وُلد في محلة الحيدرخانة ببغداد عام 1925 لأسرة نزحت من الكوت إلى الحلة ثم إلى بغداد، فكان ابن المدينة التي أحبّها وخلّد تفاصيلها في مشاريعه وأحلامه.
تخرّج الزبيدي في معهد الفنون الجميلة عام 1947–1948 (فرع المسرح)، في زمن كانت فيه الحركة المسرحية العراقية تتلمّس طريقها بثقة وطموح.وبحثاً عن الاستقرار الاقتصادي، عمل موظفاً في أمانة العاصمة (أمانة بغداد)، ليتدرج في وظائفها حتى أصبح عام 1956 أول ضابط إطفاء في مركز الكاظمية عند افتتاحه، ويُروى أن الراحل إبراهيم شندل المعروف بـإبراهيم إطفائية كان وراء تعيينه، غير أن شغف الزبيدي بالمسرح كان كثيراً ما يجذبه بعيداً عن الوظيفة، حيث كان يُعثر عليه متدرّباً مع صديقه المطرب الكبير ناظم الغزالي على أعمال مسرحية لفرقتهما. وفي عام 1947 أسّس الزبيدي فرقة الزبانية مع مجموعة من الهواة، منهم حميد المحل ، حامد الأطرقجي، ناظم الغزالي ومحمود قطان، وبإشراف الفنان ناجي الراوي. قدّمت الفرقة أعمالاً مسرحية وإذاعية لاقت رواجاً واسعاً في أواخر الأربعينيات، أبرزها تمثيلية (شلتاغ) التي ذاع صيتها بين الجمهور. في العام 1948، ومع مشاركة الجيش العراقي في حرب فلسطين، كانت الفرقة تقدّم صباح كل جمعة مسرحيات إذاعية تسهم في رفع معنويات الجنود، في صورة مبكرة لدور الفن في الإسناد الوطني. بعد 14 تموز 1958، عُيّن الزبيدي مسؤولاً عن دائرة العلاقات والأعمال الصحفية في أمانة العاصمة، ومن خلال تمثيله للأمانة في برنامج (أسبوع النظافة) الذي كانت تشرف عليه وزارة الصحة، دخل عالم التلفزيون، لتبدأ شهرته الحقيقية اقترح على إدارة التلفزيون آنذاك تقديم برنامج مسابقات ثقافية وترفيهية بعنوان (صندوق السعادة)، فكان البرنامج علامة فارقة في تاريخ التلفزيون العراقي، إذ استقطب مختلف طبقات المجتمع، ولم يجد منافساً يُذكر حتى توقف عام 1963. وفي العام 1970 عاد البرنامج بروح جديدة بعنوان شايف خير، فاستعاد شيئاً من بريقه بفضل سرعة بديهة الزبيدي وخفة ظله، وإن لم يعمّر طويلاً. وشارك الزبيدي في الفيلم المصري–العراقي المشترك (القاهرة– بغداد) عام 1946، كمام ظهر في أفلام من المسؤول (1956) ومشروع زواج (1962)، وكان له حضور بارز في فيلم شايف خير (1967) الذي أخرجَه محمد شكري جميل، ويُعدّ من أوائل الأفلام التي أنتجتها مصلحة السينما والمسرح .كما أخرج مسرحية وحيدة، وكتب أعمالاً مسرحية منها صايره ودايره المستوحاة من أحداث بغداد عام 1885. لم يكن الزبيدي فناناً فحسب، بل كان صاحب رؤية حضرية وثقافية. ففي أثناء عمله في أمانة بغداد، أسهم عام 1970 في تأسيس المتحف البغدادي في عهد أمين العاصمة إسماعيل محمد، وكان صاحب فكرة إقامة تماثيل لرموز عراقية مثل معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي ، كما شارك في إنشاء بانوراما المدائن وتطوير متنزه الزوراء. كان يحلم بإنجاز موسوعة بعنوان بغداد من 1900– 1934 الجامع من المفيد والظريف في سبعة أجزاء، فضلاً عن مشروع كتاب عن صديقه ناظم الغزالي، غير أن تلك المشاريع لم ترَ النور. وفي سنواته الأخيرة، أثقلت كاهله الأمراض، ولاسيما التهاب المفاصل، فكان يقضي معظم أوقاته في مكتبة صديقه (نعيم الشطري) في شارع المتنبي، بين الكتب والذكريات. رحل فخري الزبيدي في 14 نيسان/أبريل 1999، بعد مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن في خدمة الفن والمدينة، بقي اسمه مقترناً بالبهجة البغدادية، وببرنامج صندوق السعادة الذي زرع الابتسامة في بيوت العراقيين، وبمشاريع ثقافية لو كُتب لها الاكتمال لأغنت ذاكرة العاصمة. رحم الله فخري الزبيدي، الذي كان بحقّ أحد صُنّاع الفرح في العراق.