مختارات عبد المنعم حمندي.. الشاعر يختزل المأساة ويرسم مركز العالم
مصطفى حسن
تعد تجربة الشاعر الكبير عبد المنعم حمندي من التجارب الشعرية التي تنهل من فيض الألم العراقي المستمر، حيث يمتزج فيها الذاتي بالعام، والوجع الفردي بنحيب الذاكرة الجماعية. تنقسم المختارات إلى ثلاثة أبواب هي: (المحنة، الحب، وجع الروح) ليس مجرد تبويب فني، بل هو هندسة شعورية تحاول الإحاطة بشتات النفس العراقية.
عند قراءة أبواب المختارات نفتح الباب الأولى
1 - (باب المحنة )
باب المحنة: نرى الوطن كجرح مفتوح
في هذا الباب، يتحول حمندي من «شاعر» إلى «شاهد». المحنة ،عاشها وانصهر في نارها، ضم هذا الباب 12 قصيدة تتسم بالقوة والجزالة، وغالباً ما يستحضر فيها الرموز التاريخية والأسطورية ليعمق من مأساوية الواقع.
ونلاحظ طغيان الأفعال الماضية الدالة على الانكسار (سقط، غاب، احترق) مقابل أفعال مضارعة تدل على الاستمرار (ينزف، يئن). فخلق صراعاً زمنياً بين «ما كان» و»ما هو كائن». وفي هذا الباب تتألق الرؤيةلوطنه العراق، فهو عنده ليس مجرد أرض، بل هو كائن حي يتألم. نلمس في قصائده «جماليات الفجيعة»، حيث يحوّل الخراب إلى نص شعري يقاوم النسيان.
في هذا الباب، غالباً ما يبدأ حمندي قصيدته بـ الاستهلال الصادم. هو لا يمهد للمأساة، بل يرمي القارئ في وسطها.: (حين يصور بغداد كأم ثكلى أو نخلة مقطوعة الرأس) فالمحنة عنده ليست حادثة سير أو تفجيراً عابراً، بل هي استحضار لتاريخ من الوجع.
، القصيدة عند حمندي ليست مجرد وصف للخراب، بل هي فعل استرداد. الشاعر يستخدم «المحنة» كمرآة عاكسة للتحولات السوسيولوجية في العراق.
في قصيدة ( دمٌ فائضٌ بالحنين)
يبدأ الشاعر باختزال مأساته في العنوان؛ «الدم» يحيل إلى الصراع والبقاء، و»الفائض» يوحي بالامتلاء الذي يتجاوز طاقة الاحتمال، أما «الحنين» فهو المحرك الوجداني. هذا العنوان يمهد لما نسميه في النقد «الذات المغتربة» التي تبحث عن مستقر.في المقطع الأول، يستخدم حمندي أسلوب النفي (لم أكن صخرة، وما كنت) ليعلن تميز كينونته. هو لا يريد أن يكون شيئاً سلبياً (عشبة أو صخرة)، بل اختار أن يكون «نجماً».
المفارقة الدرامية: يكمن الوجع في قوله: «وكانت سمائي البلاد / التي غربتني / وما زلت فيها غريباً». هنا نجد «الاغتراب داخل الوطن»، وهي أقسى درجات الوجع الروحي؛ حيث يتحول الوطن من حضن إلى منفى. ثم ينتقل الشاعر إلى استدعاء ذاكرة الطفولة (النهر، الكرمة، شجيرات التين، الأصدقاء).
انظر الى: قوله «نمشي على الماء / أو نرتقي سلماً في الهواء» هو تصوير شعري مذهل لقوة الحلم قبل الانكسار. الصبي الذي يمشي على الماء هو كائن أسطوري لم تلوثه الحروب بعد.
ايقاع هادئ
ويجوب في فسيح الطبيعية (النخل، العصافير، الآس) هي عناصر تشكل هوية «العراق المطمئن» الذي يفتقده الشاعر في حاضره. يحلق عالياً فينكسر الإيقاع الهادئ للذكريات عند اصطدامه بالواقع ، يغوص به: «حتى توالت علينا الحروب / ومتنا كثيراً». «وقمنا نقاتل في غفلة الموت» يصور الموت كحالة اعتيادية ومتكررة، مما يعكس عبثية الوجود في ظل الحرب.
ويتساءل الشاعر بمرارة: «فهل يستطيع الفرات الخيانة؟». هو هنا يحمّل النهر (رمز الاستمرار والعطاء) عتباً وجودياً، وكأن الخراب قد طال حتى المقدسات الجغرافية.
يصل الوجع إلى ذروته في المقطع الأخير، حيث نلحظ تحولاً في الرموز التاريخية.
: (النؤاسي والنبيذ) اختفيا، وحل محلهما (النعيق والغراب). هذا التقابل يوضح حجم الانهيار القيمي والجمالي.
تنتهي القصيدة بسؤال استنكاري مدمر: «في وطنٍ مات فيه الوطن؟».
: جملة «مات فيه الوطن» هي ذروة «وجع الروح»؛ فالوطن كجغرافيا موجود، لكنه كفكرة وقيمة وأمان قد فارق الحياة.
اعتمدت القصيدة على «التضاد»؛ صورة (النجوم/السماء) مقابل (الغراب/النعيق)، وصورة (المشي على الماء) مقابل (الموت المتكرر)
الإيقاع: التفعيلة هنا تتبع دقات القلب؛ تسرع في لحظات الحلم والحنين، وتتباطأ وتتكسر عند الحديث عن اليأس والمنفى، القصيدة هي «مرثية للذات والوطن»، نجح فيها في تحويل الألم الشخصي إلى وجع جماعي يمس كل من عاش المحنة العراقية.
واخترنا من باب المحنة قصيدة (شجيرة الروح)، ينتقل الشاعر عبد المنعم حمندي من رصد «المحنة» كحدث خارجي إلى تأمل «الشجيرة» كرمز أنطولوجي (وجودي) يمثل الذات، البيت، والوطن في آن واحد.
إليك التحليل النقدي للقصيدة:
(الشجيرة كبيت وكون)
ليست «الشجيرة» عند حمندي مجرد نبات، بل هي «مركز العالم». يبدأ النص بتقرير حاسم: «هذي الشجيرة بيتنا».
: يمنح الشاعر هذه الشجيرة أبعاداً أسطورية؛ فعريشها «فوق القمر»، وبظلالها «نعرج في الخيال». هذا الرفع من شأن الشجيرة هو محاولة لتعويض انكسار الواقع الأرضي بتحليق سماوي.
: الشجيرة هي «مهد الطفولة»، وهي التي تلملم «الحكايتين ونبع الماء»، مما يجعلها رمزاً للحياة المستمرة رغم محاولات الاجتثاث.
يبني الشاعر قصيدته على تقابل حاد بين زمنين وحالتين:
زمن الفضة والآس: حيث كانت الصباحات فضية، والفتية «أنقى من النبع الزلال»، يمشون بوقار يركع له الأفق.
: حيث تبرز «جهنم» بمخالبها، ويسير الفتية في «نصف أرض معتمة». هذا التحول الدرامي يعكس الصدمة التي أصابت «الروح العراقية» وهي تنتقل من زمن الأحلام إلى زمن «الحراثة في الملح».
يبرع حمندي في استخدام صور مركبة تجمع بين القدسي والدنيوي:
قوله «حُمّلتْ ما ليسَ يحملهُ يسوع» هو تكثيف هائل لحجم الألم. إنه يتجاوز الألم التاريخي المعروف ليصل إلى منطقة من الوجع «غير المحتمل»، حيث القلوب «تصهل في النار». ثم يجعل من النهر ليس مصدراً للسكون، بل يجعله «يرغو على غضب»، «عطشان يهذي»، «يستعيد بكل عين دمعتين». وجعل من الجغرافيا شريكاً في النحيب الجماعي.
تنتهي القصيدة بسلسلة من التساؤلات الوجودية التي تعكس حيرة «الجيل الضائع» بين الحروب والمنافي:
ويقول «ذنبنا إنا حلمنا ثم تهنا في المدى». هنا يصبح «الحلم» خطيئة في واقع لا يعترف بالجمال.
نبع الزوال
رغم «عمر الشقاء» الذي يصفه بـ «حراثة في الملح» (وهي صورة بليغة للجهد الضائع)، إلا أنه ينهي النص ببارقة أمل قلقة: «فمتى نعيد نضارها / ونعيد ضوء الاخضرار؟».
ويستخدم الشاعر مفردات محملة بظلال صوفية ووطنية (العرش، نبع، الزوال، الفجر، الرمس) و نلاحظ تكرار حرف «السين» و»الشين» (شجيرة، شجون، نشيج، شمس، شقاء) مما يمنح النص فحيحاً حزيناً يشبه هسيس النار أو حفيف الشجر المتألم ، أما القفلةفي القصيدة لا تنتهي باليأس المطلق، بل بـ «صقر باسل» و»مخاض شمس»، مما يبقي باب «وجع الروح» موارباً على أمل الانبعاث (تموزية عراقية متجددة).
أرى إن «شجيرة الروح» هي نص الاستعصاء على الموت. نجح الشاعر في جعل «الشجيرة» وطناً بديلاً يسكنه عندما تضيق به المدن القسية.
إنها قصيدة تعيد تعريف «الهوية» بوصفها غصناً يقاوم الريح، وجذراً يختزن سر البقاء.ما يميز مختارات عبد المنعم حمندي هو الوحدة العضوية رغم تعدد الأبواب؛ فالمحنة تولّد وجع الروح، والوجع يبحث عن ترياقه في الحب. هو شاعر يكتب بـ «نزيف الذاكرة»، متمسكاً بعمود الشعر تارة وبحداثة الصورة تارة أخرى، مما يجعل نصه جسراً بين الأصالة والحداثة.
2- ( باب الحب)
يأتي باب الحب في شعر حمندي كاستراحة محارب، أو ربما كفعل مقاومة ضد الموت المحيط في «باب المحنة».
احتوى باب الحب سبع قصائد منتقاة تعبر عن تجارب مر بها الشاعر.
الحب عنده ليس غزلاً تقليدياً، بل هو محاولة لاستعادة الإنسانية التي خدشتها الحروب. المرأة في شعره قد تكون هي «بغداد» تارة، وهي الأنثى الملاذ تارة أخرى. يميل هنا إلى الرقة والشفافية، وتخفّ نبرة الحزن الصارخة لتتحول إلى همس وجداني يبحث عن السكينة. و غالباً ما تكون قصائد هذا الباب قصيرة، مركزة، وتعتمد على «الومضة» الشعرية التي تترك أثراً طويلاً في نفس القارئ.في باب الحب (الأنثى كمعادل موضوعي للوطن)
في «باب الحب»، وتحديداً في قصيدة «للفراشة فضاء وحلم»، ينسلّ الشاعر عبد المنعم حمندي من ثقل التاريخ ومرارة المحنة ليدخل في ملكوت «الدهشة الأولى». الحب هنا ليس حكاية وصال، بل هو «شعرية الانتظار» والوقوف على أطلال اللحظة العابرة.
يبدأ النص بمفارقة زمنية ومكانية حادة: «ولم أرَها في الطريق سوى مرةٍ.. وتهتُ بكل الطرق».
• نقدياً: هذه الجملة تمثل «التيه الصوفي»؛ حيث تتحول النظرة الواحدة إلى بوصلة تضيع معها كل الاتجاهات الأخرى. الرؤية هنا «خاطفة» لكن أثرها «أبدي»، وهو ما يجعل الحب عند حمندي نوعاً من القدر الذي لا يُرد.
في المقطع الثاني، نجد صورة شعرية مبتكرة في قوله: «أغارُ من الضوءِ.. أخشى عليكِ إذا غارت الأنجمُ».
• هنا يتجاوز الشاعر الغيرة الإنسانية المعتادة إلى «غيرة كونية». إنه لا يغار من رجل آخر، بل يغار من العناصر الطبيعية (الضوء والنجوم) التي تلامس وجه المحبوبة. هذا يعكس تقديساً للآخر يرفعه إلى مصاف النور.
ينتقل الشاعر بالزمن قفزة هائلة: «وبعد ثلاثين صيفاً وصيف».
دلالة الرقم: الثلاثون عاماً ليست مجرد مدة، بل هي جيل كامل من الانتظار. الحب هنا يتحدى «البيولوجيا» و»النسيان».
صوت الضمير: استحضار صوتها «وراء الضمير» يشي بأن المحبوبة تحولت من كائن خارجي إلى «صوت داخلي» يسكن وعي الشاعر، يعاتبه على وفائه الطفولي.
يستخدم الشاعر رمزين متضادين تماماً ليرسم حالة الحب: لأن الفراشة: ترمز للخفة، الحلم، الضوء، والزوال السريع الى أن يقول «كأني نقشٌ بلوح رخام». الرخام يرمز للصلابة، الخلود، والجمود أيضاً.
والمفارقة أن الشاعر الذي كان يطارد «فراشة» خفيفة، انتهى به الأمر «نقشاً» ثابتاً لا يتحرك. الحب حوّله من كائن حي يطارد الأحلام إلى أثر تاريخي محفور في وجع الانتظار.
في «باب الحب»الموسيقى الهادئة: على عكس «باب المحنة» ذي الإيقاع الصاخب، تميل القصيدة هنا إلى بحور شعرية وقوافٍ توحي بالهمس والبوح (السين، الميم، الراء ، أنسنة الأشياء: (الدموع لها فم، الريح لها شوق، البحر لا يكذب الشمس). هذه التقنية تجعل من الطبيعة «شاهدة» على قصة الحب، وكأن الكون كله يشارك الشاعر في ترقب .
يتكرر لفظ «الحلم» كثيراً، مما يشير إلى أن الحب عند حمندي هو «يوتوبيا» أو مدينة فاضلة يهرب إليها من واقع «الخيانة» و»الحروب» التي ذكرها في الأبواب السابقة.
اما في قصيدة، «طردية النهر وطيران الفراشة»، يصل الشاعر عبد المنعم حمندي إلى ذروة التوحد مع «الأنثى الرمز». هنا لا يكتفي الشاعر بالوقوف على أطلال الحب، بل يحاول «تأليه» اللحظة العاطفية وجعلها مركزاً للكون، في مقابلة فنية بارعة مع «الدجى والبوم» اللذين يتربصان خارج حدود مملكته الخاصة.
( التحليل النقدي للنص)
يبدأ النص بإعلان سيادة: «أنثايَ مملكتي».
يؤكد الدلالة: استخدام ياء الملكية مع مفردة «مملكة» يمنح الحب صبغة الحماية والحصانة. الشاعر هنا ينسحب من «وطن المحنة» المتشظي ليبني وطنه الخاص في «الأنثى». ويؤكد اللون: «حلمي أخضر»؛ وهو اختيار لوني ذكي يمثل النماء والخصوبة في مواجهة «الرماد» الذي سيطر على أبواب الوجع السابقة.
ثم يستخدم حمندي صورة «شهيق الفراشة» التي تسكن الجمرات دونها.: الفراشة برقتها تتحدى الجمر. هذا «الاستقرار» بعد «الطيران» يوحي بأن الحبيبة هي نقطة الوصول والسكينة النهائية بعد تيهٍ طويل.
: قوله «هلَّتْ.. فهلَّلتْ الرياح» يعكس «وحدة الوجود» في شعر حمندي؛ حيث إن حركة المحبوبة تؤثر في الطبيعة، فتتحول الريح من أداة للعصف (في باب المحنة) إلى جوقة منشدة ترحب بالقدوم.
ينتقل الشاعر لوصف المحبوبة بصفات تحمل أبعاداً قدسية وتراثية:
«الشمس تبزغ من بريق ضيائها». هنا يقلب الشاعر الحقائق الفيزيائية؛ فالمحبوبة هي مصدر الضوء وليست عاكسة له: رغم حضورها الطاغي، إلا أنها «تهرب في براري ظلمتي». هذا يجسد «شعرية المطاردة»؛ فالحب عند حمندي يقتات على المسافة والبحث الدائم: «ركضتُ أبحث عن ظلالكِ في الظلالِ ولا ظلال».
يتحول الشاعر إلى «سائل» يطوف على العناصر (الريح، النجم، الأقمار، الموانئ).
: قوله «مالت بيَ الأرضون / غادرني البنفسج» يصور لحظة فقدان التوازن عند غياب المحبوبة. غيابها ليس غياباً لامرأة، بل هو انهيار للجمال (البنفسج) وللثبات الجغرافي (ميل الأرض).
و قوله «أَرَقي بحارٌ سبعةٌ» يرفع الأرق الشخصي إلى مستوى الأسطورة؛ فمعاناته ليست فردية بل هي بحار لا تنتهي، ومراكبه الوحيدة هي «الشوق».
نلمس جزالة في المفارقات (تهجع/شهيق، تذكو/قلق، تلظى/تحوم). لغة الشاعر هنا «متوثزة» وحركية جدا (الوصل نرجسة، المنى بدر، اللذائذ حرق). يحول الشاعر المشاعر المجردة إلى كائنات مادية يلمسها الق، ينتهي النص بكلمة «هواها» المسبوقة بـ «نزف». هذا الربط بين الحب والنزيف يعيدنا إلى وحدة الديوان؛ فالحب في «باب الحب» لا ينفصل عن الألم في «باب الوجع»، وكأنهما وجهان لعملة واحدة هي «الوجود العراقي القلق».
في هذه القصيدة، يثبت عبد المنعم حمندي أنه «شاعر الفقد الجميل». إنه يكتب عن الحب بلغة الصوفي الذي يرى في المحبوبة خلاصاً وملاذاً، بل هي «روح الشاعر» التي تحاول الاستقرار فوق «جمر» الذاكرة.
الحب عند عبد المنعم حمندي في هذه المختارات هو «تعويض وجداني». إنه لا يكتب عن امرأة من لحم ودم بقدر ما يكتب عن «حالة الفقد المستمرة
الحب عند حمندي ليس «ترفاً عاطفياً»، بل هو أداة ترميم للروح المنكسرة.و غالباً ما تلتبس صورة الحبيبة بصورة الوطن؛ فالعناق هو عودة للأرض، والغياب هو المنفى.
3- (باب وجع الروح)
هذا الباب هو «المختبر الفلسفي» للشاعر. الوجع هنا ليس جسدياً، بل هو وجع وجودي. القصائد هنا 15 قصيدة تتجه نحو الداخل (المنولوج). نجد الشاعر يحاور ظله، أو يخاطب الموت بلغة الندّ للند، يمكننا تقديم تحليل نقدي تفكيكي يغوص في أعماق التجربة الجمالية والفلسفية . في نصين متباعدين زمنياً.
في نص «سدرة الصبر»، نصل إلى المحطة الأكثر نضجاً ومأساوية في تجربة عبد المنعم حمندي. هذه القصيدة، المكتوبة في نيسان 1994 (ذروة سنوات الحصار العراقي)، لا تمثل وجعاً روحياً عابراً، بل هي «مانيفستو» للصمود العراقي، حيث يتحول الألم من حالة استسلام إلى حالة «تجوهر» وجودي.
يبدأ الشاعر برسم خارطة نفسية لبغداد؛ فالجسر الذي يبنيه ليس خرسانة، بل هو جسر بين «ليل الصابرين» وقلبه.
: «تبتعد الرصافة والمها أعمى». هنا يستخدم حمندي موروث (علي بن الجهم) «عيون المها بين الرصافة والجسر»، لكنه يقلبه؛ فالمها هنا «أعمى» والجسر «أعمى». هذا العمى هو تعبير عن ضياع الاتجاهات وفقدان البوصلة الجمالية في زمن القبح والحروب.
في القصيدة يستحضر القباب ، هو استحضار للبعد الروحي والمقدس في بغداد، كملجأ أخير ضد «السواد» المنزاح. وفي وجع الروح بين الحروب والدمار يقول:
(كدنا نموت ولم نمُت)
هذا المقطع هو «اللازمة» الإيقاعية والفكرية للقصيدة: (كدنا نموت ولم نمت / ولدنا مرتين من الحروب). يطرح الشاعر فكرة «العراقي المتجدد» الذي يخرج من رماد الحروب.
« ولقد حفرنا لحدنا.. برجاً على صدر الهواء». هذه من أجمل صور القصيدة؛ حيث يتحول القبر (اللحد) بفعل الصمود إلى (برج) شامخ. إنها قدرة العراقي على تحويل الموت إلى منصة للحياة.
ويخاطب الشاعر الفجر بوصفه «ذبيحاً»، وهي استعارة تدل على اغتيال الأمل في بداياته.
ترد في القصيدة: «غبار أردية الحصار»، «ناي الجوع يحتلب الحصاة». يوثق حمندي هنا المرحلة التاريخية (التسعينيات) بدقة فنية، حيث الجوع لم يعد حالة مادية بل «ناباً» ينهش حتى الحجارة. ويصف الأم «سيدة تصلي للبلاد.. بلوعة الثدي المعفر بالرماد». هذه الصورة تجسد «الأم العراقية» التي أصبحت صلاتها هي الدرع الأخير لحماية الوطن من «الأعادي».
يصل الشاعر إلى خلاصة نقدية مذهلة في قوله: «تتجوهر الأحزان في أحداقهم».
: الحزن هنا لا يفتت الروح، بل يضغطها حتى تتحول إلى «جوهر» صلب (كالماس). الصبر عند حمندي ليس سلبياً، بل هو فعل «تجوهر» وزيادة في الفصاحة والشجن الجريء.
ويختتم قوله (نحن الموت.. نحيا)
تنتهي القصيدة بإعلان صارخ للانتصار على الفناء: «هل ننحني للموت.. مثل العنكبوت؟».
الجواب يأتي في السطر الأخير: «نحن الموت.. نحيا.. لن نموت».
الشاعر يقلب المعادلة؛ فإذا كان الموت هو الذي يطاردنا، فنحن قد ألفناه حتى صرنا نحن «الموت» ذاته، ومن كان هو الموت فلا يموت. هذه «صوفية وطنية» تجعل البقاء فعلاً قهرياً ضد العدم.تتجلى في هذه القصيدة
الخصائص الفنية: يستحضر «الرصافة»، «الكرخ»، «الفصحى»، «الأسلاف»، ليربط الوجع الحالي بجذور تاريخية عميقة، مما يعطي للألم شرعية تاريخية وفي التكثيف الصوري: صور مثل «دبيب النمل في جرحي» تعكس حساسية مفرطة للألم، حيث يصبح حتى صوت النمل ضجيجاً فوق الجرح المفتوح.
رغم أن القصيدة مقسمة لمقاطع، إلا أن «خيط الصبر» يربطها جميعاً، متنقلاً من الذاتي (قلبي) إلى المكاني (بغداد) إلى الكوني (السماء/الفضاء).
وٱخر ما انتقيناه من هذه المختارات الماسية نص «القيامة»، يبلغ «وجع الروح» عند الشاعر عبد المنعم حمندي ذروته التراجيدية، حيث تتحول القصيدة إلى ملحمة كبرى تمزج بين اللاهوت والتاريخ والجغرافيا في بوتقة الانكسار العراقي. «القيامة» هنا ليست نهاية العالم بالمفهوم الديني، بل هي «قيامة الوجع» وبعث الفجيعة المستمرة في الجسد العراقي.
إليك التحليل النقدي لهذا النص الفارغ:
يفتتح الشاعر النص بواحدة من أخطر وأعمق الصور في الشعر العراقي المعاصر:
«رأسُ العراق على القَنا / وأمامهُ رأس الحُسينْ»
هذا الربط يخرج الفجيعة من إطارها التاريخي (واقعة الطف) ليدمجها بالواقع الحالي. العراق عند حمندي هو «حسين العصر»، والشهادة ليست حدثاً مضى، بل هي حالة استمرار. وضع رأس العراق بجانب رأس الحسين هو إعلان عن قدسية الألم العراقي واتصاله بضمير الوجود.
يوظف الشاعر «العماء» ليعبر عن صدمة الواقع:
«أعمى أنا.. بل أعميان الجسر والناي القديم»: العماء هنا ليس فقدان بصر، بل هو كثافة الضوء (الفجيعة) التي تعمي الأبصار.
هي مفارقة فلسفية؛ فالشمس التي ينبغي أن تضيء، تصبح في «قيامة» العراق أداة للكشف عن «الخراب»، مما يجعل الشاعر يفضل الظلمة أو السجود لكي لا يرى اتساع المأساة.
يصل الشاعر إلى حالة من الاستنزاف الوجودي: «تعبَ الدمُ.. تعب المؤبّنُ / والعزاءُ مستمرٌّ».
هنا نقد لاذع لاستمرارية الموت الذي صار «أماً رؤوماً». الدم العراقي لم يعد يصرخ، بل «تعب» من كثرة النزيف، والمؤبّن (الشاعر أو الراوي) لم يعد يجد كلمات جديدة، فالجنازة واحدة والقاتل يتكرر.
يخاطب الشاعر نفسه أو «الآخر» بلهجة انكسار مشوبة بالكبرياء:
«أخفض جناح الكبرياء»: دعوة للتواضع أمام عظمة الكارثة.
«انقش لقبرك شاهداً أو نجمة»: هي دعوة للاستعداد للنهاية، لكنها نهاية «مشعة». الشاعر يرفض الموت المجاني، ويريد موتاً يترك «نجمة» تضيء النهار.
ينتقل حمندي لمستوى مباشر من النقد السياسي لواقع «الدهماء» والغوغاء:
«سقطت على حبل الغسيل عقائدٌ حبلى بنغلٍ غامض»: صورة قوية ومقززة تعبر عن تزييف العقائد التي أنتجت واقعاً مشوهاً لا ينتمي للأصل بصلة.
«دماؤنا مرهونة لمن يبيع ويشتري في السوق»: تحول القيمة الإنسانية إلى سلعة في سوق «الحواة».
تنتهي القصيدة بالعودة إلى «الحلم» رغم سواد الواقع:
«بغداد مظلمة.. نهر من الأحزان نار»: يعود لتقابل الماء والنار.
«سكت المغني والصدى صوت الجدار»: غياب الفن والجمال، ولم يبقَ إلا «الخرسانة» أو الصمت.
لكنه يختم بالاعتراف الأبدي: «أو لا أرى أماً سواكِ». هذا النفي «لا أرى» مقابل «أماً سواك» هو حبل السرة الذي يربط الشاعر بوطنه رغم كل القذارة والدمار المذكور آنفاً.
لقد تميزت القيامة بالمستوى الفني الرفيع،
واللغة العالية، تمتح من المعجم القرآني (التين والزيتون، البلد الأمين، أخفض جناحك) ومن المعجم التاريخي (بابل، الشآم، المسلة وبإيقاع جنائزي بطيء ينمو مع تطور الوجع، ويتسارع في المقاطع التي تتحدث عن «القيامة» والتشظي.
واستخدم التضاد: (نار/ثلج)، (نور/عماء)، (فراشة/صخر)، (فجر/ثعالب). هذا التضاد هو الذي يخلق التوتر الدرامي في القصيدة.
قصيدة «القيامة» هي مقطوعة الرثاء الكبرى في ديوان عبد المنعم حمندي وهي اضافة نوعية لديوان الشعر العربي الحديث. إنه يكتبها بروح «الكاهن» الذي يرى الانهيار قبل وقوعه، وبروح «الابن» الذي يرفض أن يترك أمه (بغداد) وهي في قمة بشاعتها وجرحها.
تُعد هذه المختارات للشاعر عبد المنعم حمندي، بأبوابها الثلاثة (المحنة، الحب، وجع الروح)، وثيقةً شعوريةً تؤرخ للذات العراقية في أشد لحظات استلابها وانكسارها
يمتلك حمندي قدرة فائقة على «تجسير» المسافة بين التاريخ واللحظة الراهنة . في هذه المختارات يمتلك الشاعر لغة متينة، تستمد قوتها من الموروث العربي الرصين، لكنها مشحونة بحداثة الصورة.
ويعتمد حمندي في نصوصه على «جماليات التضاد» و هذا التضاد ليس زخرفياً، بل هو انعكاس لتمزق الروح بين ذاكرة جميلة وواقع موحش.
أما الوطن في هذه المختارات ليس «نشيداً» حماسياً، بل هو «جرحٌ» يسكنه الشاعر. بغداد تظهر تارة كـ «أنثى القباب» وتارة كـ «أم ذبيحة» وتارة كـ «مملكة مظلمة». هذا التعدد في صور الوطن يعكس علاقة «عشق معذب»، حيث يجهش الشاعر بالبكاء لكي يرى وطنه، مما يجعل «الدمع» هو العدسة الوحيدة الصافية للرؤية.
مختارات عبد المنعم حمندي هي «ديوان الصبر العراقي». لقد نجح الشاعر في تحويل «الحطام» إلى «نص»، و»الصرخة» إلى «إيقاع». إنها مختارات تنتمي إلى ما يمكن تسميته (شعرية البقاء)؛ فهي نصوص كُتبت لكي لا يبتلع النسيانُ الضحايا، ولكي يبقى «شجر الاصطبار» أخضراً وسط رماد الحروب.