ذاكرة التعليم الأول في محلة السراي
مدرستا قلعة أربيل في خمسينيات وستينيات القرن العشرين
عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
في قلب قلعة أربيل، حيث الأزقة الضيقة والبيوت الطينية المتلاصقة، وحيث كانت الحياة تُدار ببساطتها ودفئها، احتضنت محلة السراي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي تجربتين تعليميتين فريدتين شكّلتا الأساس الأول لتعليم أطفال القلعة.
لم تكن المدارس آنذاك مجرّد صفوف وسبورات، بل كانت بيوتًا للانضباط، ومشاتل للقيم، وفضاءات تُربّي قبل أن تُعلّم.
في تلك المرحلة، ضمّت القلعة مدرستين ابتدائيتين مختلطتين (ذكورًا وإناثًا) تدرّسان حتى الصف الرابع الابتدائي، هما:
- مدرسة الأحداث الابتدائية
- مدرسة كاني الابتدائية
وكان لكلٍّ منهما دور اجتماعي وتربوي لا يقلّ أهمية عن دورهما التعليمي.
تقع مدرسة الأحداث في محلة السراي، داخل بيت أحمد الجلبي، وهو بيت مكوّن من طابقين ما زال قائمًا إلى اليوم، وقد تحوّل في الزمن الحاضر إلى متحف النسيج الكردي. وكانت هذه المدرسة عالمنا الصغير الذي خطونا فيه أولى خطواتنا نحو المعرفة.
نظام قائم
تولّت إدارة المدرسة السيدة سعدية، بمعاونة شقيقتها السيدة ناهدة، وكانتا مثالًا للصرامة الحنونة والنظام القائم على الاحترام قبل الخوف.
كان الصفان الأول والثاني في الطابق الأرضي، والصفان الثالث والرابع في الطابق العلوي، وكان الدوام يبدأ من الساعة الثامنة صباحًا حتى الثانية عشرة ظهرًا.
قبل دخول الصفوف، كنّا نقف في الساحة الصغيرة مصطفّين: الصف الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، وأخيرًا الرابع، ونردّد:
«دايه دايه ییه ی شرينم…»
تحمل معنى الدلال و الحنان للأم
وأحيانًا نقول: «ئه مه قوتابیین، هیوای ولاتین»،
«نحن التلاميذ،امل الوطن»
ثم ندخل الصفوف وقد بدأ اليوم.
كان النظام جزءًا من التربية، والنظافة شرطًا أساسيًا، والالتزام قيمة لا تُناقش.
لم تكن مدرسة الأحداث مكانًا للدراسة فقط، بل كانت مركزًا صغيرًا للحياة؛ حيث كانت المديرة وشقيقتها تُحضّران التبولة في البيت، ثم تُباع في المدرسة، ويُخصّص ريعها لمصروفات المدرسة.
كان التلميذ يُعامل باحترام خاص، وكان العلم قيمة، والمعلّم هيبة، يُنظر إليه باعتباره قدوةً ومصدر فخر.
في تلك السنوات، كان يُوزَّع على التلاميذ الحليب والبيض دعمًا لتغذيتهم. كانت أيام خيرٍ وعطاءٍ واحترام.
درستُ في هذه المدرسة سنتين فقط، لكنها بقيت مدرسة العمر، لا تُنسى.
مدرسة كاني:
تقع مدرسة كاني أيضًا في محلة السراي، قريبة من مدرسة الأحداث، وكانت هي الأخرى مدرسة مختلطة تُدرّس حتى الصف الرابع الابتدائي.
نواة التعليم
شكّلت المدرستان معًا نواة التعليم في القلعة، وكانت القلعة، رغم بساطتها، غنية بروحها التعليمية.
لم تكن المدرسة في قلعة أربيل مجرّد بناءٍ من حجر، بل كانت امتدادًا لروح البيت، وتكملةً لدور الأم، وجسرًا بين الإيمان والمعرفة.
كانت المدرسة مرآةً للمجتمع، ودليلًا على أن أبناء القلعة جعلوا العلم طريقًا للإيمان، والانتماء، وحب الوطن، وحب الأم، وحب الإنسان.
لم يكن الطفل يُرسل إلى المدرسة ليحفظ الحروف فحسب، بل ليُربّى على النظام، والنظافة، واحترام الآخر.
كان المعلّم رمزًا للوقار، ولم يكن يُنادى باسمه، بل بلقبه ومكانته، وكان حارسًا للقيم وصانعًا للأجيال.
كانت النظافة شرطًا أساسيًا، وكان الطفل يُعاد إلى بيته إن لم يكن نظيفًا.
كانت «دايه دايه ییه ي شرينم…» صلاة طفولة، تعلّمنا أن الأم هي البداية، وأن الوطن امتداد لحضنها.
كان توزيع الحليب والبيض، والتكافل، والنظام، شواهد على أن العلم كان عبادة صامتة.
لم تكن القلعة مدينة حجر، بل مدينة قيم، تبني الإنسان قبل الشهادة.
إضافة توثيقية
وفي فترة السبعينيات، تحوّلت بناية مدرسة الأحداث إلى مدرسة الأحمدية الدينية.