الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العَبيد بعد سقوط الطاغية

بواسطة azzaman

العَبيد بعد سقوط الطاغية

حاتم جسام الجميلي

 

على مر السنين التي انقضت من عمري عاصرت وشاهدت لحظات سقوط عدد من الطغاة في مختلف دول العالم ،كانت لحظات لا تُنسى  تختلط فيها المشاهد ،ترى جماهير تهتف وتهلهل فرحاً وأخرى ترفض التصديق وتراقب الموقف وهي مذهولة ،وفي المقابل تلمح في الزوايا المظلمة من كانوا عبيداً للطاغية قلوبهم ترتجف خوفاً من ان تتخطفهم الطير او تهوي بهم الريح في مكانٍ سحيقٍ بمستقبلٍ مجهول بانتظارهم.

لم يكن هؤلاء العبيد مكبلين بالسلاسل والاغلال مثلما نراه من على شاشات التلفاز ولا قابعين في سجن تحت الارض ولا محتجزين في معسكر اعتقال كنگرة السلمان ،وإنما جالسون متنعمون في ظل الطاغية الذي صنعوه ورفعوه فوقهم بايديهم بتملقهم ونفاقهم، وبالمدائح وصناعة الأكاذيب وهم انفسهم من أفتوا بأن الظلم ضرورة مرحلية للاستقرار متقبلين العيش في عبودية مقيتة يرفضها كل حرّ كريم.

المضحك المبكي أن لحظة السقوط هذه كانت بمثابة زلزال كشف عن هشاشتهم ووهنهم عندما وجدوا انفسهم فجأة بلا مأوى ولا ركن شديد بعد ان غابت شمس سيدهم الطاغية وسقط عنوانهم ومثلهم الاعلى كما تسقط اوراق الخريف ،فيهرب بعضهم مسرعاً ليغير جلده ويحرق الصور و ينشر بيانات التبرؤ، إلا أن رائحة الانتهازية والنفاق والعبودية العفنة لغير الله تبقى تفوح منه وتلاحقه كظله.

بناء سجن

قلة منهم لربما يستيقظون من عبوديتهم فيعترفون بأنهم كانوا شركاء في بناء السجن الذي اذلهم ،ثم يشرعون في رحلة اصعب ألا وهي كيف يتعلمون العيش بلا سيدٍ وصي عليهم، والتفكير بعقولهم بلا امر ولا توجيه.

يظن الكثير من الناس أن الحرية تأتي مع رحيل الطغاة لكنهم يتفاجؤون بأن الطغاة يرحلون ويبقى العبيد عبيداً ،وقد يتحولون إلى طغاة جدد لكون المشكلة ليست في المنحرفين الذين سقطوا وإنما في عقود من الاستعباد والخضوع ترسخت في العقول صانعةً لنا إنساناً مسخاً لا يعرف أن يعيش بلا ذل وقيود. ما اردت قوله إن سقوط الطاغية ليس نهايةً للاستعباد وانما بداية مرحلة أكثر تعقيداً يعيشها العبيد في صراع مع انفسهم ،فهل سيكتشفون أن اسباب العبودية الحقيقية هي عقولهم التي بررتها؟ أم انهم سيلقون اللوم على القيود والاغلال التي ارتدوها بمحض ارادتهم ويرفضون تكسيرها والخلاص منها؟

 

 


مشاهدات 18
الكاتب حاتم جسام الجميلي
أضيف 2026/02/14 - 4:43 PM
آخر تحديث 2026/02/15 - 3:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 11138 الكلي 13942782
الوقت الآن
الأحد 2026/2/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير