الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إختبار العدالة

بواسطة azzaman

إختبار العدالة

احمد الفيلي

 

في ظل أزمة البطالة التي يعاني منها العراق، وتراجع فرص التعيين داخل مؤسسات الدولة، يبرز شكل إشكالي من الدمج الوظيفي يتمثل في شغل الموظف الواحد أكثر من موقع أو عمله في أكثر من دائرة، وأحيانًا في أكثر من وزارة، في وقت ينتظر فيه آلاف الخريجين فرصة دخول الخدمة العامة. هذا الواقع لم يعد استثناءً، بل أصبح ممارسة تتكرر تحت عناوين مختلفة، أبرزها الانتداب أو التكليف أو الحاجة إلى الخبرة.

وتُعد وزارة الصحة مثالًا واضحًا على هذا الخلل. فعلى الرغم من النقص المعلن في الملاكات الطبية والإدارية، لا سيما في المستشفيات والمراكز الطرفية، نجد أن بعض الموظفين يشغلون أكثر من موقع إداري أو فني، أو يُكلّفون بمهام إضافية في دوائر مختلفة، في حين يبقى خريجو كليات الطب والتمريض والعلوم الصحية ينتظرون فرص التعيين لسنوات طويلة.

يُبرَّر هذا التوجه غالبًا بقلة الكفاءات أو الحاجة إلى أصحاب الخبرة، غير أن الواقع يشير إلى مفارقة واضحة. فالعراق يخرّج سنويًا آلاف المختصين في القطاع الصحي، لكنهم لا يجدون طريقهم إلى المؤسسات الرسمية، بينما تُعاد الاستعانة بالأسماء ذاتها في أكثر من موقع. وهنا يتحول الدمج الوظيفي من حل مؤقت إلى سياسة غير معلنة تكرّس احتكار الوظيفة.

الأثر لا يقتصر على البطالة فقط، بل ينعكس مباشرة على مستوى الخدمات الصحية. فالموظف المكلّف بأكثر من موقع لا يستطيع أن يؤدي مهامه بالكفاءة المطلوبة، ما يؤدي إلى ضعف المتابعة، وتأخير المعاملات، وتراجع جودة الرعاية المقدمة للمواطن. وفي قطاع حساس كالصحة، لا يكون هذا التراجع مجرد خلل إداري، بل مسألة تمس حياة الناس.

اجتماعيًا، يفاقم هذا الواقع الشعور بعدم العدالة، خصوصًا لدى الشباب. فحين يرى الخريج أن الوظيفة الواحدة موزعة على شخص واحد بعدة عناوين، تتآكل الثقة بالمؤسسة، ويتحول الانتظار من أمل إلى إحباط. ومع غياب التعيينات، يصبح الدمج الوظيفي أحد الأسباب غير المباشرة لتصاعد الهجرة أو الاتجاه إلى العمل غير المستقر.

إن معالجة هذا الخلل لا تعني الاستغناء عن الخبرات، بل تنظيم استخدامها. فوزارة الصحة، وغيرها من الوزارات، بحاجة إلى سياسات واضحة تمنع تضارب التعيين وتعدد المواقع، وتفتح المجال أمام تشغيل الطاقات الجديدة وفق معايير مهنية عادلة. الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تُفصل الحاجة الفعلية عن المجاملة الإدارية.

في النهاية، يبقى الدمج الوظيفي في العراق اختبارًا لعدالة الدولة في إدارة مواردها البشرية. فإما أن يكون وسيلة لسد النقص بشكل مؤقت ومدروس، أو يتحول إلى باب جديد لتعميق البطالة وإضعاف الثقة بالمؤسسات. وفي قطاع حيوي كالصحة، لا يحتمل هذا الاختبار المزيد من التأجيل.

 

 

 

 

 


مشاهدات 40
الكاتب احمد الفيلي
أضيف 2026/01/23 - 2:22 PM
آخر تحديث 2026/01/24 - 7:13 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 598 الشهر 18484 الكلي 13525907
الوقت الآن
السبت 2026/1/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير