الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف الغريب (6)

بواسطة azzaman

تطواف الغريب (6)

حسن النواب

 

نالَ مني التعب حين فرغتُ من عزق الأعشاب التي غزت الحديقة التي أمام شقتي، صادف يوم سبت، بجيبٍ داخلي من معطفي الصوفي العتيق وضعتُ كتاباً أطالعه كلما وجدت فرصة إِلى ذلك وحملتُ قدميَّ قاصداً كنيسة قريبة من شقتي للحصول على خبز مجاني يوزّعه رهبان فتيان مع وجبة طعام خفيفة على المشرّدين وعابري السبيل، إِلى طاولة طويلة جلستُ معهم، تناولتُ حساء عدس ممزوج بلحم بقري وشربتُ كوب قهوة بالحليب، ثم توجّهتُ إِلى ركن القاعة، ملأتُ كيس نايلون بالخبز، متبرعون يجلبون هذا الخبز البارد من أفران المدينة عندما يبقى ليومين دون بيع، منذ سنة بدأتُ أتردّد على هذه الكنيسة، أقمتُ علاقات طيبة مع معظم المشردين، مرة أنشدتُ بعض قصائدي باللغة الإنكليزية، زادتْ من ارتباطهم بي وإعجابهم بأفكاري المتحررة، كلما أدخل إِلى الكنيسة أسمع ترحاباً ودوداً وكلمات إطراءٍ منهم..

- Welcome Hassan

مرحباً حسن.

بعضهم حفظ قصيدتي « الهائمون « التي تتحدث عن حرمانهم وأوجاعهم وضياعهم، فاجأني أحدهم قبل شهور وقرأ مقطعاً منها:

The Wanderers

Deny them a proportions and families,

And blackball them the luck,

When the scarcity of bread in the oven,

And fled the milk from the mothers breast,

They are vagrancy, without lantern,

Between ground hell and nudity sky,

Not to the taste of the city without them,

From him are coming the poets and the sages and the martyrs.

الهائمون

من أنسابهم وعوائلهم حرموا

وخذلهم النصيب

عندما شحَّ الخبز في التنور

وفرّ الحليب من ثدي الأمهات

تشردوا بلا قنديل

بين جحيم الأرض وعري السماء

لا طعم للمدينة من دونهم

منهم خرج الشعراء والحكماء والشهداء.

يكنّون لي احتراماً يدعني أشعر بزهو بينهم على الدوام، ذات يوم تجمّعوا حولي، حاصروني بأسئلةٍ محرجة عن مجزرة كنيسة النجاة التي حدثت في قلب العاصمة بغداد، شعرتُ بالخجل والمرارة والحرج ولم أجد جواباً يقنعهم، كنت أريد الانتهاء من حواري معهم قبل تدهور صحتي على حين غرّة، الشظية التي تجثم برأسي لا أمان لها،  لدقائق تحدّثَتُ مجاملاً بعض المشردين على عجل وغادرتُ الكنيسة إِلى مكتب للنت، دفعتُ دولارين مقابل نصف ساعة يمكن خلالها تصفح بعض المواقع ومراجعة بريدي الإلكتروني، أمام حاسوب حديث جلستُ ناقراً بأصابعي على الحروف لأكتب رسالة إِلى أصدقائي الصعاليك في العراق لكني بعد أنْ فرغت من كتابتها لم أجد من أرسلها له، لقد فارقوا الحياة جميعاً بعد فراري من البلاد. تركت مكتب النت هائماً على وجهي.

يتبع

 

 

 


مشاهدات 203
الكاتب حسن النواب
أضيف 2026/01/19 - 3:45 PM
آخر تحديث 2026/01/20 - 11:45 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 782 الشهر 15531 الكلي 13122954
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/1/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير