القضاء الدستوري و رقابة الصمت التشريعي
احمد طلال عبد الحميد البدري
الصمت التشريعي هو احجام المشرع عن التدخل لاصدار التشريعات او تعديلها بما يواكب ضرورات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ويرى جانب كبير من الفقه الدستوري ان سكوت او صمت المشرع من اخص سمات السلطة التقديرية للمشرع كونه –اي المشرع- هو من يحدد ضرورات واسباب التشريع وتوقيات اصداره ، وبالتالي فان احجام المشرع كسلوك سلبي من جانب المشرع يكون بمنأى عن رقابة القضاء الدستوري ، باعتبار ان الرقابة على دستورية القوانين تكون لاحقة لصدور القوانين ، في حين ميز جانب اخر من الفقه بين الصمت التشريعي وبين الامتناع التشريعي وهو احجام المشرع عن اصدار او سن قوانين كان من الواجب عليه اصداره لوجود نص دستوري امر يلزمة بالتشريع فيعدم مجاله التقديري ويكون مقيد بالنص الدستوري ، وهذه الفكرة مستعاره اصلاً من القضاء الاداري عندما تمتنع الادارة عن اصدار قرار اداري كان من الواجب عليها بموجب نص قانوني اصداره وبالتالي يكون هذا الامتناع محلاً للطعن امام القضاء الاداري ، لذا فان انعدام الاختصاص التقديري للمشرع يجعل من سلوكه السلبي بالامتناع عن اصدار هذه القوانين محلاً لرقابة القضاء الدستوري باعتبار ان هذا الامتناع المقرونه بالزام دستوري يعد خرقاً للدستور وان من واجب القضاء الدستوري مد نطاق رقابته عليه حماية للدستور، واذا كانت الرقابة على امتناع المشرع لها تبريراتها في حماية الدستور، يبقى الخلاف قائما حول امكانية ممارسة القضاء الدستوري رقابته على صمت المشرع غير المقرون بالزام دستوري بالتشريع باعتبار ان ذلك يدخل في نطاق السلطة التقديرية للمشرع وان تدخل القضاء الدستوري لمراقبة هذا الصمت يعد تعدياً على اختصاص السلطة التشريعية وخرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات ، وسنحاول في هذا المقال المعمق تناول اتجاهات القضاء الدستوري ازاء الرقابة على الصمت التشريعي في المحاور الاتية :
اولاً: المحور الاول : ويذهب الى امكانية قيام القضاء الدستوري بالرقابة على صمت المشرع ولايعد ذلك تعدياً على اختصاصات السلطة التشريعية وخاصة في حالة الصمت التشريعي الطويل مع تطور الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تستوجب التدخل التشريعي ، وقد اعتنق هذا النهج المحكمة الدستورية الفيدرالية الالمانية ، اذ من الملاحظ رغم خلو القانون الاساسي الالماني لسنة 1949 المعدل وقانون المحكمة لسنة 1956 من نص صريح يخولها اختصاص الرقابة على الصمت التشريعي ، الا ان المحكمة قد تدخلت لمراقبة الصمت التشريعي من خلال احكامها الندائية والتوجيهية والايعازية في حال تراخي المشرع عن اصدار قوانين من شانها تفعيل النصوص الدستورية المتعلقه بالحقوق والحريات العامة ومن ذلك المساواة امام القانون ، ومن هذه التطبيقات :
1. المساواة بالانتفاع من مرفق التعليم : اذ نظراً لصمت المشرع عن تنظيم موضوع الاجور الدراسية بما يضمن المساواة بالانتفاع بمرفق التعليم، اصدرت ولاية بريمن لائحة بالرسوم الدراسية ميزت بالمعاملة بين الطلبة المقيمين بالولاية وبين الطلبة غير المقيمين فيها ، حيث اعفت الولاية بموجب هذه اللائحة الطلبة المقيمين من دفع الرسوم الدراسية لمدة اربعة عشر فصلاً ، والزمت الطلاب غير المقيمين بدفع الرسوم مع اعفائهم من دفع رسوم فصلين دراسيين ، وهنا تدخلت المحكمة الدستورية الفيدرالية الالمانية بموجب قرارها المؤرخ في 8/5/2015 لتقرر عدم وجود مبرر موضوعي يبيح التفرقه بين الطلاب في الانتفاع من خدمات المرافق العامة وقررت ان صمت المشرع ونكوصة عن وضع تنظيم تشريعي موحد للرسوم الدراسية يمثل انتهاكاً لحق الطلاب في الوصول الى مؤسسات التعليم العالي على قدم المساواة مع غيرهم في اطار المؤسسات التعليمية التي انشأتها الدولة لمن تتوفر فيهم شروط القبول ،.
2. المساواة بين المواطنين الالمان والمقيمين : حيث اصدرت المحكمة المذكورة قراراً ايعازياً للسلطة التشريعية لتعديل القانون المتعلق بتربية الاطفال الصادر عام 1995 الذي يمكن الاب والام من الحصول على اجازة طويلة لتربية اولادهم مع صرف بدلات خلال هذه الاجازة ، الان القانون المذكور ميز في تطبيقه بين مواطني الاتحاد الاوربي ومواطني الدول الاعضاء في اتفاقية المنطقة الاقتصادية الاوربية وبين الاجانب الذين هم خارج الاتحاد الاوربي والذين لم تنظم دولهم لهذه الاتفاقية ومنع شمولهم باحكامه ، وهنا تدخلت المحكمة الدستورية الفيدالية الالمانية بموجب قرارها المؤرخ في 7/2/2012 لمراقبة صمت المشرع ، ومؤكدة في قرارها ان صمت المشرع عن تعديل القانون بالشكل الذي يجعله ينطبق على الرعايا الاجانب والمقيمين في المانيا بنفس الطريقة التي ينطبق بها على المواطنين الالمان ، يشكل مخالفة دستورية تستوجب ازالتها من خلال تدخل السلطة التشريعية باستبدال ذلك القانون بقانون اخر بحلول 21 اب 2012 ، وهنا نلاحظ ان المحكمة لم تكتفي بمراقبة الصمت التشريعي الذي اخل بمبدأ المساوة بين المواطنين الالمان والمقينين على اراضيها ، وانما اوعزت للسلطة التشريعية بالتدخل لتعديل القانون خلال مدة حددتها في قرارها .
3. حماية حرية البحث والتدريس في الجامعات الالمانية : اذا نظراً لصمت المشرع الالماني عن تنظيم قانون يتعلق بحرية البحث والتدريس الاكاديمي وبيان هيكل وضمانات الباحثين وحقوقهم الاكاديمية اعملاً للنصوص الدستورية المتعلقة بالدولة الديمقراطية والحقوق الاساسية ومنها حرية البحث والتدريس وضمان الجودة في مؤسسات التعليم العالي ، اصدرت قرارها المؤرخ في 17/2/2016 المتضمن ايعازاً الى المشرع بوضع اطار قانوني ينظم حرية البحث والتدريس بحلول 31 ديسمبر2017 ، حيث لم تكتف المحكمة بالايعاز الى المشرع لتلافي صمته التشريعي وانما امهلته مدة معينة لتشريعه .
4. حماية سلامة ذوي الاحتياجات الخاصة : حيث تدخلت المحكمة الدستورية الفيدرالية بموجب قراراها المؤرخ في 26/7/2016 ، والزمت المشرع بالتدخل لسن قانون لمساعدة الاشخاص الذين يعانون من اعاقة عقلية او جسدية وتبصيرهم او الاوصياء عليهم لادارك اهمية العلاج ومنع تفاقم حالاتهم وللوقاية من الامراض الخطيرة ومكافحتها ، وعدت سكوت المشرع عن تنظيم هذا القانون انتهاكاً خطيراً لحقهم في تقرير المصير والسلامة الجسدية .
5. حماية المتغيرات في الظروف المعاشية: حيث الزمت المحكمة الدستورية الفيدرالية الالمانية بموجب قرارها المؤرخ في 9/9/2014 المشرع بالخروج عن صمته التشريعي والتدخل واجراء التحديثات على قوانين الضمان الاجتماعي لضمان الحد الادنى للمعيشة بما يتماشى مع الكرامة الانسانية ، اذ لابد من قيام المشرع من تحديث الاحكام المتعلقه بمنح المساعدات الاجتماعية بصورة دورية وبما يتماشى مع تنمية المجتمع وظروفه المعيشية ، واعتبرت تاخر المشرع واحجامه عن القيام بالتحديثات اللازمة لهذه الاستحقاقات انتهاك لحق الانسان في العيش بمستوى لائق وهذا يشكل اخلالا بالحقوق الدستورية ، وما احوجنا في العراق لمراقبة احجام المشرع عن ضمان الحدود الدنيا للمعيشة بما يضمن للمواطن العراقي العيش بكرامة ، اذ تسبب سكوت المشرع عن اجراء التحديثات على المساعدات الاجتماعية مع تفاقم تدخل السلطة التنفيذية بموجب قراراتها التقشفية من تفاقم المعناة الانسانية في العراق مع تزامن فرض اعباء مالية وضريبية على كاهل المواطن العراقي ، فالكرامة الانسانية تعرضت لانتهاك مرتين الاولى بسكوت المشرع والثانية بتفاقم تدخل السلطة التنفيذية بقرارات تقشفية خفضت الحد الادنى للمعيشه بما يتماشى مع الكرامة الانسانية ، ونتأمل خيراً من تدخل المحكمة الاتحادية العليا لمباشرة مثل هذا النوع من الرقابة .
ثانياً : المحور الثاني : ويذهب باتجاه عدم مد رقابة القضاء الدستوري على السلوك السلبي للمشرع بنوعية سواء ماتعلق بالصمت التشريعي الذي يدخل بنطاق السلطة التقديرية للمشرع او ما تعلق بالامتناع عن تشريع قانون كان من واجب السلطة التشريعية اصداره بموجب نص دستوري امر، فاذا كان القضاء الدستوري لايراقب الامتناع المقرون بنص دستوري امر ، فمن باب اولى ان لا يراقب الصمت التشريعي الذي يدخل باختصاص المشرع التقديري ، وهذا الاتجاه القضائي يعتنقه القضاء الدستوري في مصر والعراق وسنتناوله باختصار فيما يأتي:
1. المحكمة الدستورية العليا في مصر : لاتتدخل المحكمة الدستورية العليا بمراقبة السلوك السلبي للمشرع بنوعية الصمت والامتناع التشريعي ، اذ لاتراقب ضرورة ووقت التشريع باعتبارها من اخص سمات السلطة التقديرية للمشرع ، وعدت ان مثل هذا التدخل تجاوز لحدود اختصاصها في الرقابة على دستورية القوانين ومساساً بالسلطة التشريعية ، وقد افصحت المحكمة عن موقفها في قرارها المؤرخ 4/1/1997 والذي جاء فيه ( ...ان نكول السلطة التشريعية عن مهمتها او تراخيها في ولوج ابوابها يخرج من نطاق الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة تثبيتاً للشرعية الدستورية ، ذلك ان مناطها تلك النصوص الدستورية التي اقرتها السلطة التشريعية او التنفيذية ولاشأن لها بتخلي احدهما عن واجباتها ولابتفريط مسؤوليتها...) ، كما ذهبت في قرارها المؤرخ في 4/1/2025 الى رفض المحكمة لفكرة احلال تقديرات المحكمة او القاضي الدستوري محل تقديرات المشرع ، حيث جاء في حيثيات قرارها (....الاصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق بانها سلطة تقديرية مالم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من اطلاقها وتعتبر تخوماً لها لايجوز اقتحامها او تخطيها .....) ، وخلاصة ما تقدم ان المحكمة الدستورية العليا لاتراقب سلوك سلوك المشرع وتقديراته بالتدخل التشريعي وليس من مسؤوليتها ان تحل تقديراتها القضائية محل تقديراته التشريعية وانها غير مسؤوله عن نكوص المشرع وتخليه عن مباشرة اختصاصه التشريعي ، والحقيقه ان هذا الموقف محل نظر ولاسيما اذا ترتب على هذا النكوص او التخلي خرق الدستورواهدار الحقوق والمبادى الاساسية لافراد، ناهيك عن تغول السلطة التنفيذية في ممارسة اختصاصها اللائحي وهذا يشكل اهدار لقاعدة السلطة توقف السلطة .
2. المحكمة الاتحادية العليا في العراق : انتهجت المحكمة الاتحادية العليا في العراق منهجاً مقارباً من منهج القضاء الدستوري المصري ولذات المبررات ، اذ لم تراقب السلوك السلبي للمشرع بصنفيه الصمت والامتناع التشريعي وعدته تدخلاً في عمل السلطة التشريعية ومساساً بمبدأ الفصل بين السلطات ، واقتصرت رقابتها على بعض الاحكام الكاشفة لحاله الصمت التشريعي دون ان تلج باب التوجيه او الايعاز للسلطة التشريعية للتدخل تشريعياً خلال مدة معينة ، وهذا ما افصحت عنه بشكل جلي بقرارها المرقم (188/اتحادية /2024) في 11/8/2024 والذي جاء في حيثياته ( ... حيث تمتد رقابة المحكمة على جميع القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية باعتبارها الجهة المختصة دستورياً للقيام بهذه المهمة ، كذلك تمتد رقابة المحكمة على الانظمة التي تتولى السلطة التنفيذية اصدارها وفقاً لاحكام الدستور ، ..... وان هذه الرقابة على دستورية القوانين والانظمة ينبغى ان لا تتعدى حدودها الدستورية وفقاً لمبدأ الفصل بين السلطات التي نصت عليه المادة (47) من الدستور،....، وتجد المحكمة ان سن التشريعات او تعديلها او الغائها هو من اختصاص السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب ومن ثم فانه يخرج عن اختصاصت هذه المحكمة...) ، وفقاً لما تقدم فان رقابة المحكمة الاتحادية العليا تنصب على السلوك الايجابي للمشرع فقط وبعد ضهور التشريعات الى حيث الوجود كونها رقابة قضائية لاحقة لصدور القوانين ، وممكن ان تتدخل لمعالجة الاغفال الجزئي (القصور التشريعي ) الذي يعتور النصوص القانونية بعد اصدارها من الجهة المختصة ، دون ان يشمل ذلك توجيه احكام ايعازية بالتدخل بالتشريع او تعديل التشريع ، ومع ذلك لاحظنا في قرارات نادرة جدا صدرت للمحكمة الاتحادية العليا لامجال لتناولها توجيهاً لسلطة التشريعية لتلافي القصور في بعض القوانين التي كانت محلاً للطعن بعدم دستوريتها امام المحكمة ، ونرى ان قيام المحكمة الاتحادية العليا باصدار قرارات توجيهية لتلافي الصمت التشريعي والتراخي في اصدار قانون او تعديل قانون نافذ لايعد تدخلاً في عمل السلطة التشريعية او مساساً بمبدأ الفصل بين السلطات ولايعدو ان يكون لفت لنظر السلطة التشريعية الى هذا الجانب ولايعد حلولاً محل ارادة المشرع طالما ان القرار يبقى بيد السلطة التشريعية في كل الاحوال ، الان ذلك ممكن ان يرتب المسؤولية السياسية على السلطة التشريعية اذا اصرت او قررت عدم ضرورة هذا التشريع رغم تطور الاحداث والوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تبرر اصداره ...والله ولي التوفيق .