الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السوداني والمالكي.. خلاف المدرسة الواحدة أم صراع اللحظة ؟

بواسطة azzaman

السوداني والمالكي.. خلاف المدرسة الواحدة أم صراع اللحظة ؟

محمد علي الحيدري

 

تثير العلاقة المتوترة بين محمد شياع السوداني ونوري المالكي تساؤلات مشروعة تتجاوز فضول المتابع إلى قلق المراقب السياسي. فالرجلان ليسا خصمين تقليديين من معسكرين متقابلين، بل ينتميان إلى مدرسة حزبية واحدة - حزب الدعوة الإسلامية - وتكوّنا في بيئة اجتماعية متقاربة، وانطلقا من سردية سياسية وطائفية مشتركة، بل إن أحدهما كان في مرحلة ما موضع ثقة الآخر ودعمه. ومع ذلك، وصل الخلاف بينهما إلى مستوى يوحي وكأنه أعمق من مجرد سوء تفاهم عابر.

حكم عراقية

من حيث الظاهر، يبدو الصراع صراعَ سلطة بامتياز. السلطة هنا ليست منصبًا فحسب، بل موقع قيادة داخل البيت الشيعي، ونقطة ارتكاز في معادلة الحكم العراقية المعقدة. المالكي يمثل تجربة حكم طويلة، مثقلة بالإنجازات والإخفاقات معًا، ويُدرك أن أي نجاح مستقر لحكومة السوداني قد يُفسَّر سياسيًا باعتباره تجاوزًا لمرحلة المالكي أو حتى نفيًا غير مباشر لضرورتها التاريخية. في المقابل، يسعى السوداني إلى ترسيخ صورة رئيس حكومة مستقل نسبيًا، لا مجرد امتداد أو واجهة لزعيم حزبي نافذ، وهو طموح مشروع لكنه مكلف في توازنات عراقية حساسة.

غير أن اختزال الخلاف في “الصراع على السلطة” وحده يبقى تبسيطًا مخلًا. فثمة اختلاف في مقاربة الحكم نفسها. المالكي يميل إلى نموذج “القيادة المركزية” الصلبة، حيث تُدار الدولة بعقل أمني - سياسي حذر، يقدّم السيطرة والاستقرار على التوافقات الهشة. أما السوداني فيحاول - حتى الآن - تقديم نموذج أقل صدامية، يعتمد التهدئة، والانفتاح النسبي على الخصوم، وبناء شبكة توازنات داخلية وخارجية تسمح له بالتحرك في هامش أوسع. هذا الاختلاف في الأسلوب قد يكون أخطر من الخلاف على المنصب، لأنه يمس تعريف الدولة وطريقة إدارتها.

 

هل وصل الخلاف حد استحالة التوافق؟ من الناحية النظرية، لا. السياسة العراقية علّمتنا أن “الطريق المسدود” غالبًا ما يُفتح عند أول منعطف مصلحي. لكن عمليًا، كلما طال أمد التوتر، ارتفعت كلفة التراجع، وازدادت صعوبة التسوية من دون أن يشعر أحد الطرفين بأنه “كُسر” أو خسر هيبته. وهنا تكمن المعضلة: أي اتفاق محتمل يحتاج إلى صيغة تحفظ ماء الوجه للطرفين، وتمنع تحوّل التسوية إلى هزيمة مؤجلة.

السؤال الأهم: من المستفيد من هذا الخلاف؟ المستفيد الأول هم خصوم المعسكر الذي ينتمي إليه الرجلان، سواء داخل البيت الشيعي أو خارجه، إذ يتيح لهم الانقسام إعادة خلط الأوراق وإضعاف مركز القرار.

كما تستفيد قوى إقليمية ودولية تفضّل عراقًا منشغلًا بصراعات نخبته، أقل قدرة على بلورة موقف موحد. أما المتضرر الأكبر، فهو الدولة العراقية نفسها، التي تدفع ثمن الانقسام شللاً في القرار، وترددًا في الإصلاح، وارتباكًا في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.

يبقى سؤال “مرشح التسوية” مطروحًا بإلحاح. هل يصلح شخص ثالث لقيادة حكومة تواجه ظروفًا محلية وإقليمية بالغة التعقيد؟ نظريًا نعم، لكن التجربة العراقية تُظهر أن مرشحي التسويات غالبًا ما يكونون ضعفاء بحكم شروط ولادتهم السياسية، أسرى توازنات من أوصلهم، لا قادة قادرين على فرض مسار. العراق في لحظته الراهنة لا يحتاج مجرد تسوية مؤقتة، بل يحتاج حدًا أدنى من الانسجام داخل مراكز القرار، أيا كانت الأسماء.

في المحصلة، الخلاف بين السوداني والمالكي ليس قدريًا ولا مستحيل الحل، لكنه أيضًا ليس خلافًا عابرًا. هو صراع بين جيلين داخل المدرسة نفسها، بين ذاكرة حكم ثقيلة وطموح حاضر قلق. وإذا لم يُدر هذا الخلاف بعقل بارد وحسابات دولة، فإن كلفته ستتجاوز الرجلين، لتصيب ما تبقى من ثقة العراقيين بقدرة نخبهم على تقديم المصلحة العامة على صراعات النفوذ.

 

 


مشاهدات 51
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/01/10 - 4:36 PM
آخر تحديث 2026/01/11 - 10:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 321 الشهر 7703 الكلي 13115126
الوقت الآن
الأحد 2026/1/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير