الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ماذا يكتب الأديب وماذا يفهم القارئ؟


ماذا يكتب الأديب وماذا يفهم القارئ؟

آدينه أحمد سعيدزاده

 

يُقرأ العملُ الأدبيُّ من أجل أن يُغيِّر أفكارَ الناس؛ فهذه هي وظيفةُ الفنّ وغايتُه في جميع أنواعه، والأدبُ أحدُ فروعه من المهمّ جدًّا أن يخرج قارئُ العمل بشيءٍ من الكتاب، وأن ينخرط في التأمّل، ليصل في النهاية إلى استنتاجاتٍ مهمّة.

ولا يزال رأيُ ليف تولستوي الشهير بشأن الأنواع الثلاثة لقراءة العمل الأدبي محتفظًا بقيمته حتى اليوم: القراءةُ دون فهم، والقراءةُ مع الفهم، ثم القراءةُ التي يُدرِك فيها القارئ ما كان الأديبُ يريد كتابتَه ولم يكتبه.أما النمطُ الثالثُ من القراءة فيعني أن القارئَ الفَطِنَ وصاحبَ الرأي يبحث، في خلفية الأحداث والوقائع وصور الكاتب، عن الدلالات العميقة، ويدرك جوهرَ حكمة الأديب.

ومن البديهيّ أن الطرائقَ والأساليبَ والوسائلَ التي يؤثّر بها القولُ الأدبيّ في الإنسان، إسهامًا في ترقية الوعي الاجتماعي وتغييره، تُعَدّ من أهمّ وظائف الأدب، كما هي من صميم رسالة الأديب. وهي، في الوقت نفسه، من المعايير الأساسية التي يُقاس بها مستوى وقيمةُ الفنّ الأدبي.وفي مسألة تأثيرِ العملِ الأدبيّ في وعيِ القارئ، ينبغي أخذُ إشراكِ القارئ في العملية الإبداعية بعين الاعتبار. فهذه المسألة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالفردية الإبداعية للأديب وبقدرته الفنية على الخَلْق والإبداع.

وقد تناول الأديبُ الألمانيّ في القرن الثامن عشر، ليسينغ، هذه المسألةَ بشكلٍ جذّابٍ وفعّالٍ في رسالتهِ الأساسية «لاوكون هذا العملُ الشهيرُ يحدّدُ الحدودَ بينَ الشعرِ والرسمِ التصويري، وفي هذا السياق يبيّنُ المؤلفُ، من خلال استعراضِ بعضِ الأمثلة من ملحمةِ الشاعرِ اليونانيِّ هوميروس «الإلياذة» وشرحِ تمثالِ لاوكون، أنّ الأدباءَ الأقوياءَ أثناءَ إبداعِ أعمالهم يجذبون انتباهَ الإنسانِ نحو العمليةِ الإبداعية.

فعلى سبيل المثال، في «الإلياذة»، تم تصويرُ جمالِ هيلينا، إحدى الشخصيات التي كانت سببًا في حربِ عشرِ سنوات بينَ القوى العظمى في العالم القديم – اليونان وترويّا – ليس بصورةٍ مباشرة، بل من خلال انطباعاتِ مجموعةٍ من الشيوخ، أي ضمن ديناميةِ الحياة.ويُقدَّمُ جمالُ هيلينا الفائق (زوجة مينيلوس، ملك سبارتا، التي اختطفها ابنُ الملك الصغير في طروادة – بريام – مما أدى إلى حربٍ دامت عشر سنوات بين اليونانيين والطرواديين) إلى القارئ من خلال تصوّر الشيوخ الطرواديين: فعندما تمرّ هيلينا أمام مجموعةٍ من الشيوخ الطرواديين، يمتلئون بالحماس والانفعال، بل وينادون قائلين: «يستحقُّ هذا الجمال أن تظل طروادة لعشر سنوات أخرى مغمورةً في التراب والدم.

وقد ابتكر الأديبُ الأمريكيُّ الشهيرُ إرنست همنغواي روايةَ «العجوزُ والبحر» بنفسِ هذه الطريقة. فترك فهمَ واستيعابِ نهاياتِ الأحداثِ والوقائعِ لجهودِ القارئ، ويُلاحَظ هذا الأسلوبُ أيضًا في عملهِ الآخرِ «الجزر في المحيط.

يبدو تصويرُ حياةِ أبطال هذه الأعمال – الرسّامُ توماس هادسونُ والعجوزُ الصيّادُ سانتياغو – ناقصًا للوهلةِ الأولى، إلا أنّ هذا الأسلوبَ يُنفَّذُ بهدفِ تحفيزِ فكرِ القارئ، وتركِ مسؤوليةِ الملاحظةِ والاكتشافِ وفهمِ العالمِ له لاستكمالِ الصورة.

وقد وُضِحَت طريقةُ «تركِ بعض المواد في العمل الأدبي» في أحد خطابات همنغواي بشكلٍ جذّاب: «إذا كان الكاتبُ يعرفُ جيدًا ما يكتب، يمكنه أن يتجاوز الكثيرَ مما يريد قوله. وإذا كان تصويرُه صادقًا ودقيقًا، سيكتشفُ القارئُ بنفسه اللحظاتَ المُترَكة ويفهمها».

في النقد الأدبي المعاصر، يُناقَش كثيرًا موضوعُ علاقةِ المؤلّفِ بالقارئ، وطبيعةُ اكتسابِ القارئ للفهمِ والإدراكِ بشكلٍ إبداعي.فعلى سبيل المثال، ابتكر المتخصّصون في علم الجمال مصطلحًا خاصًا لتحديد علاقة المؤلّف بالقارئ، وهو «آفاق التوقّع»، والذي يعني في الفهم التقليدي ما يلي: ما الذي يأمل القارئ أن يكتشفه من المؤلف عند جلوسه للقراءة، وما الذي يضعه المؤلف في اعتباره ضمن هذه الآفاق المتوقعة، أي أنّه في وعيه يُشكّل دائمًا صورةً للقارئ ويسعى للتعاون معه.

 

 استاذ بجامعة طاجيكستان القومية

Odinahmad-94@mail.ru

 

 

 

 

 

.

 


مشاهدات 84
الكاتب آدينه أحمد سعيدزاده
أضيف 2026/01/10 - 1:41 PM
آخر تحديث 2026/01/11 - 10:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 320 الشهر 7702 الكلي 13115125
الوقت الآن
الأحد 2026/1/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير