الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إيران.. الإنكفاء نحو الداخل

بواسطة azzaman

أذن وعين

إيران.. الإنكفاء نحو الداخل

عبد اللطيف السعدون

 

لم يكن مفاجئا تحول معظم المدن الإيرانية الى كرة لهب سريعة الانتشار بعدما كبرت المشاكل التي ضاق بها صبر المواطن العادي، واستعصت الحلول، وبدا أهل الحل والعقد غير عابئين بما يجري من حولهم، وظنوا أنفسهم في مأمن بفعل ما اختزنت عقولهم من أوهام حتى فاجأتهم موجة احتجاجات جديدة لم تكن تشبه هذه المرة ما حدث في سبتمبر/ أيلول من عام 2022 على خلفية مقتل الشابة المغدورة مهسا أميني، وانما تختلف عنها بفعل عاملين اثنين، الأول أن تجار «البازار»، رئة طهران الاقتصادية التي تعكس مشاعر المواطنين العاديين ومتطلبات حياتهم المعيشية، لم يبقوا بعيدا عنها إنما دخلوها عنصرا فاعلا، وربما مخططا فيما كانوا في موجة أميني متحفظين في مساندتها اذ وضعوا أنفسهم على مسافة منها لسبب أو لآخر، ومعروف أن تجار «البازار» يمثلون إحدى ثلاث قوى تتبادل التأثير على رسم السياسات العامة منذ قيام «الجمهورية الإسلامية» إلى اليوم على وفق متطلبات الحال وتغيير قواعد اللعبة، والقوتان الأخريان هما المؤسسة الدينية والحرس الثوري، والعامل الثاني أن ما يستشف من هذه الموجة أنها تخفي وراءها ثورة بطون جائعة لم تجد في الغذاء الروحي الذي دأبت على تسويقه المؤسسة الدينية ما يسد جوعها.

وهكذا تفجرت مشكلات الداخل على خلفية الانكسارات التي أصابت «محور الممانعة»، والتي كان من المفترض أن تدفع «أهل الحل والعقد» أنفسهم الى مراجعة سياساتهم الخاطئة، وايلاء تلك المشكلات اهتماما أكبر حتى تفاقم الخطب ولم تعد العقدة، كما شخصها الناشط السياسي السجين مصطفى تاج في رسالته التي وجهها لمناصريه، في هذه المشكلة الاقتصادية أو تلك، أو في هذه الحكومة أو هذا البرلمان إنما هي في البنية الانسدادية لولاية الفقيه المطلقة، وكذلك في السياسات المدمرة لإيران التي ينتهجها خامنئي، وطالب زادة بتشكيل مجلس تأسيسي لإقرار دستور جديد يبعد المؤسسة الدينية عن شؤون الدولة، ويضمن الحريات الأساسية، وإجراء انتخابات برلمانية نزيهة.

زخم ثوري

وفي ضوء هذين العاملين، وعوامل متداخلة أخرى، تدخل الموجة الماثلة أسبوعها الثاني رغم محاولات النظام احتواءها، وهي تطرح خطر اتساعها، واكتسابها زخما ثوريا متصاعدا خاصة وأنها شملت معظم المحافظات الايرانية، كما ظهرت بوادر دخول شباب الجامعات والمؤسسات التعليمية طرفا نشيطا فيها، وحصلت على وجهات نظر متعاطفة معها من قبل حلقات مهمة في النظام، وشخصيات معتبره من التيار الإصلاحي، لدرجة أن رئيس الحكومة مسعود بزشكيان اعترف صراحة أن سبب حركة الاحتجاجات «ليس أميركا، وانما هي سياساتنا الاقتصادية الخاطئة، وأن واجب الحكومة الأول هو تأمين معيشة المواطنين». 

خطوط حمر

ومع زيادة زخم الاحتجاجات أخذت الشعارات المعلنة منحى متطرفا حتى تجاوزت الخطوط الحمر بعدما تركزت في البداية على المطالبة بتوفير الخدمات وحاجات المعيشة الأساسية حيث انتقلت الى مطالب أكثر جذرية وسخونة مثل الدعوة لإسقاط النظام، وإعادة الحكم الشاهنشاهي، وفي هذه الغضون تعرضت حوزات، ومراكز دينية، ومؤسسات رسمية للحرق والتدمير، وأدى استخدام رجال الأمن للقوة المفرطة الى سقوط قتلى وجرحى بين المحتجين ورجال الأمن.

يكتمل رسم هذه المشاهد الداكنة مع ما أبداه بعض أركان النظام من مكابرة وتجاهل لمعنى هذه الموجة من الاحتجاجات ونتائجها إذ قال على أكبر ولايتي مستشار مرشد الجمهورية أن أميركا تقف وراء هذه الاحتجاجات، و»ان الايرانيين مستعدون لأكل العشب مقابل مواصلة تمويل المقاومة في لبنان والعراق واليمن»، وزاد على ذلك بإدراج « المقاومة في أي مكان آخر يقاتل فيه الناس ضد الغطرسة (الأمريكية) وحلفائها».

كل هذه المشاهد تضع «الجمهورية الاسلامية» راهنا أمام محنة جديدة تلح على ضرورة مراجعة منظومة الحكم كأول خطوة ينبغي القيام بها لخلق حالة طمأنينة لدى الشعب، ومن ثم ضمان إيجاد الحلول الناجعة للمشكلات القائمة، وهذا وحده ما ينزع الفتيل عن نار الاحتجاجات، ويهدئ من مشاعر الغضب التي تسود الشارع الإيراني، وما لم يحصل انكفاء حقيقي من قبل سدنة النظام على الداخل فان الاوضاع قد تسير نحو الأسوء.

 

 


مشاهدات 92
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/01/10 - 1:12 AM
آخر تحديث 2026/01/10 - 11:41 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 797 الشهر 7373 الكلي 13114796
الوقت الآن
السبت 2026/1/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير