التذمر وأحاديث المقاهي اسقاط سلبي
تصويت الناخبين ركيزة سلمية مهمة لبناء دولة المواطنة
حسين فوزي
أقدمت المفوضية العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات على اعتماد تحديث السجل الالكتروني لبطاقة الناخبين، وهي خطوة تحسب للمفوضية لضمان توقيتات مدروسة في تسهيل مشاركة الناخبين لتعزيز الشرعية الشعبية لسلطات الدولة.
من ناحية أخرى يطرح بعض السياسيين المستقلين افكاراً ومشاريع بخصوص معالجة انحسار المشاركة الانتخابية للمواطنين، وهي أفكار هدفها ضمان تحقيق نسبة عالية من التصويت بقصد دعم برامج الإصلاح والتغيير، وهو تعبير عن نوايا طيبة لدعم الشرعية الشعبية لسلطات الدولة.
لكن اغلب هذه الطروحات تجاهلت الأسباب الرئيسة لامتناع الناخبين عن التصويت، مكتفية بتقديم محفزات ومغريات لمشاركة الموظفين ورجال الاعمال في التصويت، لكنها أغفلت حقيقة ان عزوف الناخبين عن التصويت، بالأخص الشباب والمرأة وصغار رجال الأعمال، من حرفيين وأصحاب الدكاكين والبسطيات، (واكثرهم من الخريجين)، ناجم عن عوامل رئيسة ثلاث:
1. عدم استقرار القوانين المتعلقة بالانتخابات وتغييرها في كل دورة انتخابية بما يضمن "حظوة" القوى الرئيسة الفائزة، وعدم مراقبة حجم ضخ المال السياسي لصالح بعض الأطراف المهيمنة، بجانب تجاهل الكثير من بنود قانون الأحزاب، بالأخص ما يتعلق بحظر مشاركة أي طرف سياسي لديه جناح عسكري.
2. انعدام وجود برامج فاعلة لتوعية الناخبين بشأن أهمية مشاركتهم في التصويت واختيار المعبر عن طموحاتهم، وعدم الاكتفاء بالنقد والتذمر في المنتديات والمقاهي، وإنما تجسيد إرادتهم باستخدام صندوق الانتخاب أداة لمعاقبة ومكافأة القوى السياسية.
ويبدو واضحاً بعد 6 دورات انتخابية، كانت اعلاها في المشاركة دورتي 2005 و2006، وكانت دورة 2010 مثار تنازع صريح، أدى إلى انحسار كبير لاحق في كل الدورات اللاحقة. وهي ذات الحالة التي شهدناها في انتخابات 2021، فيما يخص من يكلف لتشكيل الحكومة، وهو ما أسفر عن المزيد من انحسار الشرعية الشعبية للسلطات القائمة، التي عانت في الأصل من تدن في نسبة مشاركة الناخبين.
لذلك فأن اية خطوات موضوعية لتحفيز الناخبين تستدعي تطمينهم بذهاب أصواتهم للطرف الذي يثقون به، وضمان تولي القائمة الفائزة بأعلى الأصوات محاولة تشكيل الحكومة. وهذا يعني وضوح القوانين وثباتها في إدارة نتائج الانتخابات من جهة. وهو ما تحرص عليه مفوضية الانتخابات في تعاملها الفني والتقني مع أصوات الناخبين.
من جهة أخرى فأن التوعية الانتخابية ينبغي ان تنطلق من أن بناء دولة المواطنة يستند على وعي المواطن بمسؤولياته، التي من أبرزها، بجانب احترام الدستور والقوانين، أن يؤدي مسؤوليته المدنية في التصويت، كذلك حسن اختيار ممثليه مستبعداً العوامل العاطفية: الطائفية والجهوية والعشائرية، وهو الامر الذي ينبغي تحفيزه من قبل الأطراف المتنافسة بطرح حلول لمشاكل بطالة الشباب وبقية المواطنين، ضمن خطة تنمية مستدامة.
وتبني كل ما يضمن دور المرأة في الحياة العامة، وتطمينها في تنظيم دورها الأسري وفق قانو أحوال شخصية، يأخذ بعين الاعتبار روح العصر والتزامات العراق الدولية، وركائز قانون الأحوال الشخصية لعام 1959. كذلك تعزيز دور القضاء وحمايته في ملاحقة الفساد وسراق المال العام.
إلى جانب هذا المنطلق الرئيس للقوى السياسية، مطلوب ان يكون هناك برنامجاً طويل الأمد، او بالأقل متوسط، يتخطى فترة خوض الانتخابات، تدعمه برامج تواصل مع شرائح الشباب والنساء والعمال ورجال الاعمال، لإداء مسؤوليتهم المدنية في التصويت لتعزيز بناء دولة المواطنة.
وينبغي هنا تأكيد حقيقة أساسية هي ان المفوضية شأن القضاء مهمتها تطبيق القوانين وإصدار التعليمات الضرورية لتنظيم تطبيقها، بالتالي فهي جهة تنفيذية تتحرك وفق الصلاحيات المخولة لها، وليست جهة تشريعية، لذلك فأن أي حديث عن أي خلل في القوانين أو أسلوب إدارة الدولة ليس عبئاً تتحمله مفوضية الانتخابات، إنما القوى السياسية المشاركة في إدارة الدولة. وكل من يريد تغييراً أو اصلاحاً في الشأن العام عليه التصويت في الانتخابات المقبلة على أساس البرنامج الانتخابي ونزاهة وكفاءة الجهة التي يصوت لها، وليس الاكتفاء بالتذمر وتبادل الانتقادات في المقاهي أو المجالس الخاصة.
وفي هذا السياق تعمل شبكة شمس لمراقبة الانتخابات، مع شبكتي عين وتموز، على تنفيذ برنامج توعية انتخابية امده عامين انطلق في 25 أيلول من العام الماضي، بدعم من منظمة مساعدات الشعب النرويجي وتمويل مكتب الاتحاد الأوربي في بغداد، ومساندة المفوضية العليا لمراقبة الانتخابات ومشاركتها الفاعلة. وتشكل منتدى للتوعية الانتخابية يديره مجلس يضم الشبكات الثلاث وممثلون عن العديد من المؤسسات والمنظمات المهنية، بجانب رئاستي الجمهورية ومجلس الوزراء، ما يشكل 23 عضوا، بما يضمن وصول التوعية الانتخابية إلى أوسع الشرائح الاجتماعية وابعد المناطق.