مغالطات تاريخية ومفارقات سياسية
محسن القزويني
يمر علينا شهر رمضان المبارك والامة الاسلامية مكلومة ومحزونة على ما جرى عليها في غزة ولبنان و هي بحاجة الى أية كلمة تضمد بها جراحها وتخفف عنها الحزن والالم عما جرى عليها من حروب ودمار ومحاولات اسرائيل في شق صفها وتفجير الصراعات بين الاخوة من ابناء المسلمين . في هذه الاجواء المفعمة بالحزن تطلع علينا احدى القنوات الفضائية بمسلسل مؤجل منذ سنتين لتزيد في جراح الامة ولتضيف جرحا جديدا الى جراحها ، وهو مسلسل معاوية، والذي حاول ان يطرح (معاوية) بصورة اخرى غير تلك الصورة التي رسمها لنا كبار المؤرخين كالطبري والمسعودي وابن الاثير فقد صنع المسلسل من معاوية وكانه هو لولب الاسلام وقائد غزواته ومحور ما جرى في التاريخ من عهد الرسول الاكرم صلى الله عليه واله وسلم حتى الخلافة الراشدة وهي صورة لا تمت بالحقيقة باية صلة فالعشرات من المغالطات التاريخية تم احصاؤها وسياتي الوقت المناسب للافصاح عنها بعد الفراغ من عرض جميع حلقات المسلسل. واخر تلك المغالطات التي تم عرضها في الحلقة الخامسة هي؛ اظهار الامام علي عليه السلام وكانه موافق على سيناريو شورى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في تعيين الخليفة من بعده والذي انتهى باختيار عثمان بن عفان خليفة للمسلمين ، فقد ظهر الامام علي عليه السلام مرحبا بترشيح عثمان و بعد ذلك قبوله به و الاسراع في مبايعته له في المسجد عندما طُلب منه البيعة، خلافا لما ذكره المؤرخون ومنهم الطبري في تاريخ الملوك والامم في الجزء الثالث في الصفحة 297 والذي جاء فيه ( ان عبد الرحمن بن عوف دعا عليا فقال : عليك عهد الله وميثاقه لتعمّلن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، قال: ارجو ان افعل واعمل بمبلغ علمي وطاقتي, ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي قال: نعم فبايعه فقال علي : حبوته حبو دهر ليس هذا اول يوم تظاهرت فيه علينا فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان الا ليرد الامر اليك والله كل يوم هو في شان، فقال عبد الرحمن: يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا فاني قد نظرت وشاورت الناس فاذا هم لا يعدلون بعثمان. فخرج عليٌ وهو يقول: سيبلغ الكتاب اجله). واورد الطبري حديث المقداد و عمار في ردهما على اختيار عثمان و ابعاد الامام علي عن الخلافة يمكن الرجوع الى الكتاب.
اما المفارقة الكبرى في هذا المسلسل فهو انحرافه عن اهداف الفن الذي ينتظره المسلمون في مثل هذه الايام العصيبة من تاريخهم ، وفي هذه الايام من شهر رمضان شهر المحبة والسلام ،اذ كان المؤمّل ان يؤدي الفن دوره الايجابي في رص الصفوف لمواجهه اشرس عدو في تاريخ الامة المعاصر، فبدل ان يقف هذا الفن الى جانب قضايا الامة، ويقوي من شوكتها في مواجهة اسرائيل نجده ومن خلال مسلسل معاوية يقوم بتمزيق هذا الصف والوقوف جنبا الى جنب العدو في اهدافه في تمزيق عرى المسلمين وتقسيمهم الى جماعات متناحرة ، فمن المستفيد من هذا المسلسل ياترى ؟ !! فلا هو رواية تاريخية صادقة يمكن ان يستفيد منها الباحث عن التاريخ، ولا هو بصدد اظهار عظمة الاسلام وقوته ، و لا هو بالفن الهادف في زمن التراجع، بل هو في حقيقة الامر مثّل في محتواه صراعا مريرا كان لمعاوية بن ابي سفيان الدور الاكبر في تاجيجه وكما سماه عميد الادب العربي طه حسين بالفتنه الكبرى.