الفنانة المغربية صبحى طيانة مغرمة بلغة اللون: عيني ترى الجمال بأبسط الأشياء
علي إبراهـيم الدليمي
في زمن تعج فيه هبوب رياح عاتية وتيارات متنوعة من الفنون الشرقية والغربية والشمالية والجنوبية، هنا وهناك، ممنهجة وفق رؤى وأفكار ذهنية متشعبة، حسب ثقافة وإطلاع ومهارة وهواية الفنان نفسه، وهو يسبح ما بين كل هذه التيارات المتلاطمة، والصمود أمامها، لغرض الاستقرار النهائي في الثبات على جرف أمن ومطمئن، في بلورة وتأسيس أسلوبه الفني الخاص به.. قد يفلح أحياناً.. وقد لا..
أقرأ بتأمل وتأن، لوحات الفنانة المغربية صبحى طيانة، وهي تبحث وتجرب، وتبحر وتمخر في عباب بحر الفن الشاسع والعميق، لتستخرج بعض من جواهر إبداعها، المتزامن مع ثقافتها وفهما للفن عموماً، أبعاده.. فلسفته.. قيمته الفكرية.. قيمه اللونية، لا سيما انها: رسامة ومغرمة بلغة اللون، ودرست الفن على نفسها، فضلاً عن كونها شاعرة تختزن في ذاكرتها أجمل كلمات الحياة الجميلة، ومترجمة حاذقة تساعدها على قراءة فنون وثقافة المجتمعات الأخرى، وعاشقة بصبر لصور وجمالية الحرف العربي.. متفرغة الآن لممارسة وتأمل ما تنتجه من إبداع خالد لها ولأعمالها.. حاصلة على: شهادة البكالوريا lettres modernes، وشهادة DEG في الأدب الفرنسي بكلية القاضي عياض بمراكش. تخرجت من CPR مركز تكوين الأساتذة شعبة الأدب الفرنسي. استاذة الفرنسية سابقا، ثم عملت مع «الجماعات المحلية بمدينة الجديدة»، والمجلس الجماعي بمدينة مراكش.
عندما ترد على أسئلتنا، فانها تجيب وتتحدث بلغة شاعرية عميقة: أنا فنانة عصامية، علمت نفسي بنفسي، وتنقلت في رقصة مبتكرة من تراثي الوجداني إلى التعبير المعاصر، رسمت حكمة الماضي برؤيتي الفريدة للمستقبل، في عالم يزدهر فيه الفن غالبا بالتدريب الرسمي في معاهد مختصة، تظهر التقنيات التي أرسم بها لوحات كشهادة مؤثرة على جمال اكتشاف الذات والإلهام الثقافي. المستوحى من عبق تاريخ أسرتي المراكشية العريقة، وقصص الاجداد وطقوس مغربية تجد صداها في الوجدان وتحول فيما بعد إلى لوحات فنية تبث الحياة والمعنى في كل لمسة.
وتسترسل شاعريتها وهي تستذكر بعض من مسيرتها الفنية: إن رحلتي الفنية متجذرة بعمق في نسيج التقاليد المغربية الغنية، رحلة، كانت محطتها الاولى طفولة متميزة مشبعة بالألوان والروائح والحنين إلى الماضي. نشأت في بيت يحترم العادات المتوارثة عبر الأجيال، والتقاليد المغربية في الحياة اليومية. كنت أحضر طقوس تحضير التوابل التي كانت جزءاً من هوية العائلة، وتراثا قديما، حيث كانت كل مرحلة من مراحل إعدادها تحمل في طياتها عبق التاريخ وحكايات الأجداد. ولم تكن اسرتي تعتبر التوابل مجرد مكونات تضاف إلى الطعام، بل كانت رموزا لأسرار الطبيعة وكنوز الثقافة المغربية. كنت أشاهد كيف تنتقى الحبوب بعناية، وكيف تجفف الأعشاب تحت أشعة الشمس الذهبية، وكيف تطحن هذه التوابل لتصبح مسحوقا ملونا ذا روائح نفاذة. هذا العالم الغني بالألوان والروائح كان يشدني بشكل خاص، وكنت أتأمل فيه بعينين من الدهشة والإعجاب، بفضول طفولي وذكاء متوقد، فكنت لا أكتف فقط بالمراقبة، بل كنت أشعر أن لكل لون من التوابل حكاية تنتظر أن تروى. كنت أجد في طحن الفلفل الحار وتحويله إلى مسحوق أحمر قان، رمزية لعملية التحول التي قد يمر بها الإنسان في حياته، من حالة إلى أخرى، مع احتفاظه بجوهره القوي. أما الكركم، بلونه الأصفر الساطع، فكان يعكس في عيني شمسا داخلية تضيء كل شيء حولي. وتتميز الفنانة صبحى، باختزانها ألوان ورائحة التوابل، كحالة نفسية وروحية، وهي تستخدمها في أعمالها: فضلاً عن ذلك كنت وأنا أحضر هذه المراسيم، ألاحظ غنى وتنوع ألوان التوابل: أصفر الكركم، الأحمر العميق للفلفل الحار، لون الكمون، والابزار و... ولم أكن أعلم أن هذه الألوان قد تعمقت في مخيلتي وأرست الأساس لتعبيري الإبداعي. وليتبلور فيما بعد على لوحاتي، فنا راقيا، فعالمي غني بالتفاصيل ليس مجرد جزء من التراث، بل هو مصدر إلهام عميق. وشغف متزايد بالألوان. اكتسبت مهاراتي بنفسي، واعتمدت على عيني التي رأت الجمال في أبسط الأشياء.
حالة نفسية
والخيال الواسع، والأحلام والرؤيا، تحققها الفنانة صبحى، من خلال خطوطها وألوانها، وهي توظفها لتحقيق كل ذلك: تعاملت مع الفن كشكل من أشكال التأمل الشخصي، واستخدمته لتوثيق تناغم ألوان عالم من حولي. وبدون تدريب رسمي، لجأت إلى حكمة تراثي، كل لوحة أبتكرها تكون مشبعة بإحساس الحركة والرشاقة، مرددة صدى الطقوس التي شكلت هويتي. كنت أراها في أنماط السجاد التقليدي، أو تلك الدوائر الملونة التي تمثل التوابل المطحونة، أو حتى الخطوط التي تشبه حركات يد والدتي وهي تمزج التوابل بعناية. إن عملية اكتشاف الذات في الفن هي رحلة عميقة تؤدي غالبا إلى اكتشافات وتحولات غير متوقعة. انغمست في مساعي الفنية، واحتضنت الحرية التي تأتي مع التعبير عن الذات. كانت كل ضربة فرشاة بمثابة تأمل، مما سمح لي باستكشاف ليس فقط جمال محيطي، ولكن أيضا أعماق هويتي.
كل لوحة ترسمها الفنانة صبحى، هي إنعكاس يومي، كأفكار أو واقع إجتماعي، أو عاطفة عابرة، أو موقف طارئ، أو أمل مؤجل، لحظة تأمل مشروعة: تتحول كل لوحة إلى مرآة تعكس أفكاري ومشاعري الداخلية. واكتشفت من خلال كل قطعة جوانب جديدة من شخصيتي. كشفت الجرأة في لوحتي عن ثقة جديدة، أصبح كل عمل مكتمل فصلا من قصتي.. الرسم، بالنسبة لي هو عثور على صوتي الفريد، وطريق لفهم الذات. كل ضربة فرشاة هي بمثابة تكريم للاحتفالات والممارسات المقدسة التي تشكل هويتي، وتحول التجارب غير الملموسة إلى لوحات فنية نابضة بالحياة. بها مزيج الألوان التي ترعرعت بينها. في أعمالي الفنية، يمكن رؤية تأثير تلك الطقوس المغربية بوضوح، حيث امتزجت روح التقاليد بجموح الإبداع. وبفضل هذا الارتباط العميق بين الطقوس المغربية وفني، كانت لوحاتي وبكل تواضع متميزة عن غيرها. لم أكن مجرد فنانة عصامية، بل كنت مبدعة لأسلوب فني خاص بي، حيث مزجت بين التقاليد وروح العصر، بين التراث والحداثة. هكذا، عشت حياة متجذرة في تقاليد عائلتي، لكني أبدعت في تحويل تلك الجذور إلى أجنحة، لأطير بها إلى آفاق جديدة من التعبير الفني، حيث أصبحت لوحاتي نوافذ مفتوحة على عالم غني بالتفاصيل والألوان، عالم يجمع بين التراث والإبداع، بين الأصالة والتجديد.
وتبقى فنانتنا القديرة، صبحى طيانة، تختزن في دواخلها، كلمات الشعر الشفاف الخاص بها، الذي لا يلفظ إلا من شفائها، ولا يخرج إلا من خوالجها الدفينة، ولا يقال إلا لمن تراه مستحقاً من الناس الطيبين.. ولا يليق إلا لها، لانه شذى وبلسم وطمأنانية، ويبقى الرسم واللون القريب القريب الذي يساعدها ويجعلهـــــا تمارس الحياة بأنفـاس ملونة وجــديدة، وحالة متـوازية ومتوازنــــــــــــة مع الشـــــــــعر ومع خلجاتها وفكرها.. فهـــي حالة مستقلة ومتصالحــــــــــــة مع نفسها أولاً وأخيراً.. وتقـــدم نتاجاتها الفنيــــة والإدبية للجميع..