الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مقاربة نقدية لثيمة الحب في ديوان أحببتُ فتاةً سومريّة


مقاربة نقدية لثيمة الحب في ديوان أحببتُ فتاةً سومريّة

نجم الجابري

 

صدر عن دار التكوين في دمشق المجموعة الشعرية الأولى للمهندس الشاعر وسام البركات ب ٦٤ نصاً شعرياً من الحجم الأوربي استهل الشاعر المجموعة بلافتة للشاعر الإسباني لوركا تتحدث عن الفرح الحزين.

مدخل:

عندما تبحث عن الياقوت لا بد أن تمتهن الحب لكي تنال نبلهُ ، وماهية الحب ليست سوى حنين اليد الفارغة ، خيول الخيال شوق وشوك لا يدركه الضرير في مهب التكوين ، هناك طائر حلقَ يكفكف دمعتهُ وهو يحصدُ ثمار الحب ، غير أن سليل الفقرِ لا يُجيدُ سوى قيثارته ولو أمعن في دثار الحب ، فالفراق لا بد منه في وطن يلوك الخيبات.

حينما يلملمُ الشتات وأي شتات ، شتات شاعر يكتفي بالحب ويكفيه عشيقته وإن كانت ربة حسن كآه تستوطن أحشاءه ، فالمبحر بالوجع لا يملكُ نبوءة الغيوم ولا تتمكن عرافات الغجر أن تقرأ ثمالة حزنه ووجعه الذي ينازع عبادته ، طاحونة الأيام تسحق إرث الشعر والحبيب وغياب بلا وداع ، فحينما يغيب الشعر يموت الأقحوان واقفاً ، ما أقسى مرارة الفقد في نداء الليل والحزن كالنخل ، شهرزاد ترتل المواويل المستحيلة على هامش الحرمان والشعر متعب منك ومنها ويبرز السؤال حينما يزورك طيفها غير تعالي تعالي يا نبع الحنين ، ماذا تقول أيها المنبوذ وأنت لا تجيد سوى النفخ في الناي القديم.

يقول ص ١٠ نص حنين اليد الفارغة :

( لأنك صفر اليدين

لأنك تمضي وحيداً

تغربلك

بلوعتها السنين. )

في هذا النص يشكو لوعته وإفلاسه ويوعد الحبيب بشوق الوتين.

ص ١٣ نص خيول الخيال ، يقول :

( ألا خذْ

صهيلَ الخيولِ كزردٍ

لعلَّ يقيكَ حُطامهْ

بصيصٌ لحُبٍّ

وذلك ما أصبو إليهِ

فيا وَطناً

ألا تعرف الحُبَّ يوماً

ولا السّلامةْ.)

هناك متلازمة بين الوطن والحبيبة ، فعندما يفقد من يحب، يرى أن الوطن ضائع والعكس صحيح كما أن الشاعر استطاع أن يوظف المكان وإيحاءاته في التعبير عن رؤيته للجمال وللحب.

ص ١٥ في نص شوق لا يدركه الصبر ، يقول :

( بي ولهٌ

إلى ترابٍ منخُطاكْ

هيّا معي

قد همتُ فيك عاشقاً

فاقَ حدودَ الأرضِ والأفلاكْ)

في هذا النص يعيد الشاعر تعريف مفهوم الحنين ليس لكونه شعور إنساني عظيم ورومانسي بل تأمل عميق في غياب الحبيب.

ص ١٨ نص في مهب التكوين ، يقول :

( مُذ سرى بي

وجعُ التّكوينِ

مُذ سرتْ في الرّوحِ جمرات الحنينِ

ندمي أنكرني

يا لإفراطِ النّدمْ

مُذ طُردتُ

من جنانِ العدمْ)

في هذا النص يكثف الشاعر صورته الشعرية ويستعير من القرآن.

هنا يهدم الشاعر المنطق الروحي ويذهب بطقوس أخرى.

فالطرد من جنان النعيم ليس عدماً

بل كنهة الطرد هي العدم ، أراد أن يقول أن حبيبته هي النعيم.

ص ١٩ نص يا طائر حبنا الراحل ، يقول :

( عدتُ وحيداً

ليس معي

سوى ظلٍّ

ثملٍ

بذات الكأسِ)

في هذه الثيمة يفلسف الشاعر رؤيته للشعر بصورة متكاملة مع العشق ، حتى الأشياء الجامدة ثملة بوجعهِ وانكسارهِ ، تحليق في ما وراء الطبيعة.

ص ٢٠ نص كُفي يا دمعتي ، حكمة ليس بمحلها.

ص٢١ :

( الدّهرُ لا يُفصحُ ما

تُفصحُ عنه ألسنُ الأقدارِ)

في هذا النص وما يتبعه لو فككناه لوجدنا فيه ثلاث مراحل من الضياع.

ص٢٢ :

( بعد أنْ كانَ حصادي

لثمارِ الحبِّ تيهاً وخضوعا

ها هو الليل وقد ذابت جفوني

يملأُ الأحداقَ يأساً ودموعا)

إنكفاء من الحب وإصرار عليه؟!

ص٤١ حوار مع سيدة :

( لا سيدتي ، قلبي في خطى الحب كالدوؤب

ودموعي في الغياب تنوب. )

تنقلات بين الشعر والنثر والصورة الشعرية غير واضحة.

ص ٥٤ وجه ينازع العبادة :

( هل تخبو

جذوةُ الألمِ

في حنايا الحزينْ

كيف يزرعُ بسمةً

في ثغرٍ

ربّما ينسجُ

من أديمِ الأنينْ )

حينما يتحول الإنسان إلى زاهد أو العاشق بمعنى أدق يملي على نفسه شعوراً بالانتقاص أحياناً وبالكمال أحياناً أخرى.

في هذا المنطق يهدم الشاعر النظرية المثلى متوقعاً أن ذلك هو الحب للمعشوقة.

ص٥٦ يطرح سؤالاً إنكارياً :

( أبي لم يكُنْ شاعراً

أمي ما كانت شاعرة

لمَ إلهي

تتلقّفني

آهاتُ الشّعرِ النّازفة؟ )

في هذا المقطع ( اللافتة ) يمثل ذروة التكوين الدرامي ويبلغ النص أقصى درجات التجريد العاطفي.

ص٥٨ نص خبئيني مني ، يقول :

( خبّئيني في بحرِ أنوثتكِ

كدموعٍ

في مآقي النّسيانِ

خبّئيني فما الحُبُّ

إلاّ خنجرٌ

غاصَ في لُججِ الوجدانِ )

في هذه المقطوعة تناقضات الشاعر الولهان غير المستقر.

ص٧٢لذلك أحببتكِ ، مهداة للسيدة زوجته

( لأنّكِ تفوقينَ

كلّ معاني السّحرِ

ببهائكِ

لأنّكِ تُجسّدينَ حقيقة الوردِ

المُطلّة من قلبِ الرّبيع

.

.

لأنّكِ بهيّةٌ

كقُبلةٍ نضجتْ

في بيدرِ الشّوقِ

لأنّكِ روحُ المعنى

وقِبلةُ المُنى

وشوقٌ عذبٌ يروي الحياةَ

منذُ الأزلِ

.

.

لذلك أحببتكِ )

نص متكامل وتتويج مستحق.

ص٨٤ مرارة الفقد

نص متكامل وفيها انسكاب للمشاعر الإنسانية في المواساة وفقدان الأعزاء :

( قبلَ رحيلكِ المفاجئ

لم أكُنْ أعلم

أنَّ الموتَ

هو دفءُ الأرواح

التي أتعبتها الحياة. )

الخلاصة :

هذا الديوان لشاعر عاشق حيث يتشابك الشوق مع اللوعة وتتجلى التجربة الوجدانية في ابعادها الإنسانية والروحية.

فيض الشعور : يفتح الشاعر نصوصه باتكاء واثق على لغة البوح الصادق حيث لا مكان للتكلف بل ينساب الوجد عفوياً كأنه نبض دم العاشق.

الغيابات والحضور : يتحول الحبيب في الديوان من كائن مرئي إلى حضور طيفي يسكن التفاصيل فالغياب لا يعني الفراق بقدر ما يمثل تجلياً أعمق للذكرى في الروح.

البناء اللغوي والصور الفنية :

الرمز والمجاز : يتراوح الأسلوب بين الأنزياحالشعري المليء بالصور المبتكرة حيث تنطق الجمادات وتتحول الأشياء رفاق في درب العشق وبين وضوح العبارة حين تشتد لحظات الفقد أو الشجن كما في قصيدة فقد زميلته وقصيدته لزوجته.

الموسيقى والإيقاع : المعتمد أحياناً شعر التفعيلة حيث منحه حرية أكبر في التدفق العاطفي دون قيود غير أن الصورة الشعرية لم تكن مكثفة بسبب الموسيقى.

الأبعاد الفلسفية والصوفية : لا يقتصر الحب في المجموعة الشعرية على البعد الحسي فحسب بل يلامس العشق الصوفي حيث يذوب العاشق في الذات المحبوبة وصولاً إلى حالة من التوحد فتصبح المعاناة واللوعة جسراً للارتقاء الروحي والتمسك بالجمال وسط ظمأ الأيام وقسوتها.

يدمج الشاعر عنوان ديوانه بين الروحانية ( عشق ) والعمق التاريخي الحضاري في رؤية عاشق للجمال والإنسانية.

لقد طرح الشاعر ذاته من خلال تشظيات وبوح عميق يصل لحد الصراخ شاكياً الفقر والحب.

المجموعة إضافة للمكتبة الشعرية العراقية وعلامة في المشهد الثقافي السماوي سيما أدب الشباب.


مشاهدات 81
الكاتب نجم الجابري
أضيف 2026/10/13 - 2:25 PM
آخر تحديث 2026/10/14 - 1:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 169 الشهر 24836 الكلي 16610005
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير