الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق بين أسر الشعارات وإستحقاقات الدولة

← بواسطة azzaman

لا يهم لون القط طالما أنه يصطاد الفئران

العراق بين أسر الشعارات وإستحقاقات الدولة

علاء العاني

 

ثمة مقولات تختصر فلسفة كاملة في كلمات قليلة، وتبقى حاضرة في ذاكرة الشعوب لأنها تضع الاصبع على جوهر المشكلة. ومن أشهر هذه المقولات ما ينسب إلى الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ: «لا يهم لون القط، طالما أنه يصطاد الفئران»، وهي مقولة عبرت عن توجه عملي يركز على النتائج والإنجاز بدلاً من الارتهان للتصنيفات الأيديولوجية والشعارات الجامدة وقد ارتبطت هذه الفلسفة بمسار الإصلاح الاقتصادي والانفتاح الذي شهدته الصين في العقود الأخيرة من القرن العشرين. وليس المقصود بهذه المقولة أن الغايات تبرر جميع الوسائل، أو أن المبادئ والقيم الوطنية يمكن الاستغناء عنها، بل إن قيمة الأفكار والسياسات تقاس بقدرتها على معالجة المشكلات وتحسين حياة الناس وإذا كان هذا المنطق قد وجد طريقه إلى تجارب دولية عديدة، فإن العراق بما يمتلكه من ثروات بشرية وطبيعية وتاريخ حضاري عريق أحوج ما يكون اليوم إلى استلهام جوهر هذه الفلسفة ووضع مصالح شعبه ومستقبل أجياله فوق كل اعتبار آخر.

شعارات تتقدم على مصالح الوطن

منذ سنوات طويلة، يعيش العراق وسط تجاذبات سياسية وإقليمية تتداخل فيها المصالح الوطنية مع حسابات خارجية، فيما تتعدد الشعارات التي ترفع باسم الدين أو المذهب أو المقاومة أو الدفاع عن قضايا الأمة. ولا خلاف على أن للعراق امتدادات عربية وإسلامية وأن من حقه بناء علاقات متوازنة مع مختلف الدول، ولكن أين تنتهي مسؤولية العراق تجاه القضايا الخارجية، وأين تبدأ مسؤوليته التي لا يجوز التفريط بها تجاه شعبه؟

إن التضامن مع قضايا الآخرين لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن بناء الدولة، كما أن الانتماء الفكري أو المذهبي لا يمكن أن يكون مبرراً لتقديم مصالح دولة أخرى على المصلحة الوطنية العراقية. فالعلاقات مع إيران ولبنان واليمن، وسائر الدول المجاورة والدول العربية والإقليمية، يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على التبعية أو الانخراط في صراعات لا يقرر العراقيون أهدافها ولا يتحكمون بنتائجها. فالمعيار الوطني ينبغي أن يكون واحداً في التعامل مع الجميع أياً كان مصدر التأثير او طبيعة  الشعارات التي تتستر خلفها.

إن المعيار الحقيقي لأي موقف سياسي ليس حجم الضجيج الذي يرافقه وإنما ما يحققه للعراق من أمن واستقرار وازدهار، وما يقدمه للمواطن من فرص عمل وخدمات وكرامة إنسانية ،أما حين يصبح الانشغال بصراعات الإقليم أولوية تتقدم على حاجات الداخل فإن الخاسر الأول والأخير هو المواطن العراقي. إن التحدي الأكبر أمام العراق لا يكمن في نقص الموارد أو غياب الطاقات والكفاءات، بقدر ما يكمن في كيفية إدارة هذه الموارد وتوجيهها لخدمة المجتمع. فالعراق يمتلك ثروة نفطية كبيرة، وموقعاً جغرافياً مهماً، وشباباً يتطلعون إلى مستقبل أفضل، لكنه يحتاج إلى إدارة عامة أكثر كفاءة، ومؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والمحاسبة.

ولعل التعليم يأتي في مقدمة الملفات التي تستحق اهتماماً استثنائياً. فمستقبل الدول لا يبنى بالشعارات، وإنما بعقول أبنائها، وبمدارس وجامعات قادرة على إعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة لمواجهة عالم سريع التغير. إن ضعف البيئة التعليمية وتراجع الاهتمام بالبحث العلمي، وانتشار الشهادات المزوره واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، كلها قضايا ينبغي أن تتصدر جدول الأولويات الوطنية، لأن إهمالها اليوم يعني دفع أثمان أكبر غداً.

ولا يقل القطاع الصحي أهمية عن التعليم، فحق المواطن في العلاج والرعاية الصحية الكريمة ليس منة من أحد، بل هو أحد الأسس التي تقاس بها مسؤولية الدولة تجاه مجتمعها. ومن غير المقبول أن تبقى جودة الخدمات الصحية وتوافر الأدوية والتجهيزات الطبية موضع قلق لدى المواطنين، في بلد يمتلك إمكانات مالية وبشرية تؤهله لتطوير مؤسساته الصحية بصورة مستدامة.

الفساد والمخدرات والجريمة

وفي موازاة ذلك، تبقى مكافحة الفساد المالي والإداري امتحاناً حقيقياً لجدية أي مشروع إصلاحي. فالفساد لا يقتصر ضرره على الأموال التي تهدر، وإنما يمتد إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات، وتعطيل المشاريع وتقويض مبدأ تكافؤ الفرص، وإشعار المواطن بأن الاجتهاد والكفاءة قد لا يكونان الطريق الوحيد للوصول إلى النجاح. ولا يمكن مواجهة هذه الآفة بالاكتفاء بالتصريحات أو الحملات المؤقتة، بل من خلال قضاء مستقل وفعال، ورقابة جادة، وشفافية في العقود والإنفاق العام، ومحاسبة عادلة لا تستثني أحداً بسبب موقعه السياسي أو نفوذه الاجتماعي. أما انتشار المخدرات وما يرتبط بها من مخاطر اجتماعية وأمنية، فهو تحد لا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد قضية أمنية عابرة. إنها معركة لحماية الشباب والأسر والمجتمع، تتطلب إنفاذ القانون، ومكافحة شبكات التهريب والترويج، إلى جانب الوقاية والعلاج والتوعية وتوفير فرص العمل، حتى لا تتحول البطالة واليأس والتهميش إلى أبواب تستغلها شبكات الجريمة المنظمة. لعل أكثر ما يدعو إلى القلق هو أن استمرار الاختلالات في هذه الملفات لا يهدد حاضر العراقيين فحسب، بل يمتد أثره إلى مستقبل أبنائهم وأحفادهم. فالأجيال الجديدة تستحق أن تعيش في وطن لا تضطر فيه إلى البحث عن فرص التعليم والعمل والعلاج خارج حدوده، ولا تشعر فيه بأن مستقبلها مرهون بتوازنات سياسية أو ولاءات حزبية أو حسابات إقليمية.

ومن هنا، فإن مسؤولية القوى السياسية لا ينبغي أن تقاس بقدرتها على الاحتفاظ بمواقع النفوذ أو حشد الأنصار أو إدارة الخلافات، بل بقدرتها على تقديم برامج واضحة، ذات أهداف قابلة للقياس، وجداول زمنية للتنفيذ، ومؤشرات معلنة يستطيع المواطن من خلالها معرفة ما تحقق وما تعثر، ومن المسؤول عن ذلك.

كما أن استعادة القرار الوطني لا تعني الانعزال عن العالم أو الدخول في خصومات مع الجوار، وإنما تعني بناء علاقات متوازنة تحمي استقلال العراق وتمنع استخدام أراضيه أو موارده أو قراره السياسي لخدمة أجندات لا تنسجم مع مصالح شعبه. فالعراق ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ولا ينبغي أن يكون امتداداً لصراعات الآخرين، بل دولة ذات سيادة تقيم علاقاتها على أساس المصالح المتبادلة والاحترام وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

 

 النتائج هي المعيار

 

إن استلهام المقولة الصينية في الواقع العراقي لا يعني البحث عن قط أسود أو أبيض، ولا المفاضلة بين الشعارات بحسب أصحابها، بل البحث عن من يستطيع أن يحقق النتائج التي ينتظرها المواطن.

لقد آن الأوان لأن ينتقل العراق من سياسة إدارة الأزمات إلى مشروع بناء الدولة، ومن الانشغال الدائم بصراعات الآخرين إلى معالجة مشكلاته الداخلية، ومن ثقافة الولاءات الضيقة إلى ثقافة المواطنة والكفاءة والمساءلة.

فالأوطان لا تبنى بالشعارات وحدها، ولا تحمى بالمواقف الانفعالية، ولا تصان ثرواتها بتبادل الاتهامات. إنها تبنى بالعقول، والعمل، والمؤسسات، والعدالة، والإدارة الرشيدة.

وفي نهاية المطاف، ينبغي أن يواجه به العراقيون جميع القوى السياسية، من دون استثناء، ماذا قدمتم للعراق، وماذا أنجزتم لشعبه، وأي مستقبل تتركونه لأبنائكم وأحفادكم؟

ذلك هو المعيار الحقيقي، وتلك هي الحكمة التي تختصرها المقولة الصينية: لا يهم لون القط، طالما أنه يصطاد الفئران ولا قيمة للشعارات إن لم تتحول إلى انجازات تحفظ للوطن كرامته، وللمواطن حقوقه، وللأجيال القادمة حقها في مستقبل آمن ومزدهر.

 

 


مشاهدات 37
الكاتب علاء العاني
أضيف 2026/10/04 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/10/05 - 2:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 153 الشهر 6993 الكلي 16592162
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير