الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مفتاحُ الدارِ ليسَ لصاحبِ الكرسي.. محاكاةٌ مع الضمير

← بواسطة azzaman

مفتاحُ الدارِ ليسَ لصاحبِ الكرسي.. محاكاةٌ مع الضمير

محمد خضير الأنباري

 

ليسَ أصعبَ على الإنسانِ منْ أنْ يصلَ إلى كرسيٍ كبير، ثمَ يكتشفُ أنَ وراءهُ أيديا كثيرةً تنتظرُ ردَ الجميل، وأمامهُ مدينةً كاملةً تنتظرُ أداءَ الأمانة. كانَ في المدينةِ شابّ وقور، عرفَ بحسنِ الخلق، ونظافةِ السيرة، وصدقَ التعامل. نجحَ في عملهِ الخاص، وبنى حياتهُ بجهده، ولمْ يكنْ المنصبُ يوما غاية يسعى إليها. أحبهُ الناسُ لما عرفوا فيهِ منْ جديةٍ وأمانة، حتى أجتمعَ أصحاب القرارِ يوما، وبعدَ تشاورٍ طويل، اتفقوا على ترشيحهِ لتولي المسؤولية. قالوا له: ستكونُ مسؤولنا الأول، وسنقفُ إلى جانبك. فكرَ قليلا، ثمَ قال: إنْ قبلت، فلنْ أعدكمْ إلا بشيءٍ واحد: إنْ أحاولْ أنْ أكونَ مسؤولاً عنْ الجميع. ابتسموا، وهنؤوه، وسلموهُ مفتاح الدار. نظر إلى المفتاحِ طويلا، ثمَ سأل: مفتاحٌ ماذا؟ قالوا: مفتاحُ الدار. دخل، فإذا الدار ليستْ دارا عادية؛ إنها مدينةٌ كاملة، فيها الفقيرُ والغني، والمثقفُ ورجلُ الشارع، وصاحبِ المبدأِ وصاحبِ المصلحة، وفيها منْ يقول: " نحنُ معك "، ثمَ يبحثُ في الخفاءِ عنْ ثغرةٍ يسقطك منها. جلسَ على الكرسي، وشعر- للمرةِ الأولى- بثقلِ المسؤولية. قالَ لضميره: لقدْ كنت أعرفُ الاقتصادَ والتجارةَ وإدارةَ المال، لكنني اكتشفتْ أنَ إدارةَ المدينةِ ليستْ كإدارةِ شركة. قالَ الضمير: إذنْ أستمعُ إلى أهلِ الخبرة. وماذا أفعلُ بمنْ يأتونني بالنصيحة، وفي جيوبهمْ مصالحهم؟ اسمعْ الجميع، ولا تسلمُ عقلك لأحد. نظرَ إلى الأوراقِ المتراكمةِ على مكتبه، ثمَ قال: كلُ هذا أصبحَ مسؤوليتي؟ أجابهُ الضمير: نعم، لأنك جلست على الكرسي. وبينما هوَ يتأملُ ما أمامه، اقتربَ منهُ أحدهم، وقال: تذكر أنَ للكرسيّ حدودا. سأله: ومنْ وضعِ هذهِ الحدود؟ أشارَ الرجلُ إلى الأرض، وقال: بعضها مكتوبا في القانون، وبعضها مرسوم في النفوذ، وبعضها لا تراهُ إلا إذا حاولتْ تجاوزه.

    فهمَ الشبابُ أنَ هناكَ منْ يريدُ لهُ أنْ يكونَ مسؤولا، ولكنْ ضمنَ حدودٍ لا تحددها النصوصُ وحدها. في تلكَ الليلة، وقفَ في شرفةِ الدار، فرأى ذئابا تدورُ حولَ السور، تبحثُ عنْ ثغرة. سألَ الحارس: منْ هؤلاء؟ قال: بعضهمْ ينتظرُ أنْ تفتحَ لهمْ الباب. ولماذا لا يدخلونَ منْ البابِ الكبير؟ خفضَ الحارسُ صوته، وقال: لأنَ البابَ الكبيرَ يحتاجُ إلى مفتاح، أما الأبوابُ الصغيرة، فقدْ تحتاجُ إلى مال. صمتَ المسؤول. قالَ الضمير: هنا تبدأُ المعركةُ الحقيقية. معَ من؟ معَ نفسك أولا، ثمَ معَ كلِ منْ يريدُ أنْ يجعلَ السلطةَ بابا لمصلحته. وفي اليومِ التالي، جاءهُ أحد الذينَ أسهموا في وصولهِ إلى المنصب، وقال: لا تنسى منْ أوصلك إلى هذا الكرسي. سكتَ قليلا، ثمَ عادَ إلى ضميره: هلْ الوفاءُ لمنْ دعموني يعني أنْ أستجيبَ لكلِ ما يريدون؟ قالَ الضمير: هناكَ فرقٌ بينَ الوفاءِ والخضوع. كيف؟ الوفاءُ أنَ تحفظَ الجميل، والخضوعِ أنْ تبيعَ القرار. منْ ساعدك في الوصولِ إلى الكرسيِ لا يملكُ المدينةَ منْ خلالك. رفعَ المسؤولُ رأسه، وقال: إذنٌ لمنْ يكونُ ولائي؟ أجابهُ الضمير: للقانون، وللأمانة، وللناسِ جميعا. ثمَ نظرَ إلى المفتاحِ الموضوعِ أمامه. قال: ولماذا أعطوني هذا المفتاح؟ قالَ الضمير: لمْ يعطوك إياهُ لتملكِ الدار، وإنما لتفتحَ أبواب العملِ والخدمةِ والعدالة، وتغلقُ أبواب الفسادِ والمحسوبيةِ والابتزازِ واستغلالِ النفوذ. ابتسمَ المسؤول، ثمَ أمسكَ المفتاح، وقال: الآن، فهمت. عادَ إليهِ الرجلُ الذي كانَ يراقبُ خطواته، فسأله: ماذا، فهمت؟ قال: لمْ يعطوني المدينة؛ لأمتلكها، وإنما أعطوني مسؤوليتها.

سادَ الصمت. ثمَ التفتَ إلى رجاله، وقال: لا أريدكمْ أنْ تحموني منْ الناس. تعجبوا وسألوه: وممنْ نحميك إذن؟ قال: احموا القانون مني إذا أخطأت، واحموا المالَ العامَ مني ومنْ غيري، واحموا مؤسساتِ المدينةِ منْ الأشخاص، واحموا الناسَ منْ نفوذِ الأقوياء. ثمَ عادَ إلى كرسيه، لكنهُ لمْ يعدْ ينظرُ إليهِ بالطريقةِ نفسها. فقدْ أدركَ أنَ أخطرَ ما في السلطةِ ليسَ أنْ يفقدَ المسؤولُ كرسيه، بلْ إنَ يفقدُ نفسه، وهوَ جالس عليه. وفي تلكَ الليلة، عادَ الغرابُ إلى السور، كما اعتادَ كلَ ليلة، يراقبُ وينتظر. نظرَ إليهِ المسؤول، وقال: يمكنك أنْ تأتيَ كلَ ليلة؛ فالغرابُ لا يخيفُ منْ يمشي في الضوء. ثمَ وضعَ المفتاحَ على الطاولة، وأطفأَ المصباح. كانَ يعلمُ أنَ الذئابَ ما زالتْ حولَ الدار، وأنَ الأبوابَ الخلفيةَ لمْ تختف، وأنَ أصحابَ المصالحِ لنْ يتوقفوا عنْ المحاولة، لكنهُ عرفَ أخيرا أنَ الكرسيَ مؤقت، والمفتاح أمانة، والمدينة ليستْ ملكا لأحد، وأدركَ أنَ الحمايةَ الحقيقيةَ للمسؤولِ ليستْ في كثرةِ منْ يقفونَ خلفه، ولا في قوةِ منْ أوصلهُ إلى المنصب، وإنما في قدرته، عندما ينتهي كلُ شيء، وتسقطُ الأقنعة، أنْ يقفَ أمامَ نفسه، ويقول: لمْ أخنْ الأمانة.


مشاهدات 40
الكاتب محمد خضير الأنباري
أضيف 2026/09/30 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/10/01 - 2:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 210 الشهر 210 الكلي 16585379
الوقت الآن
الخميس 2026/10/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير