الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
دردشة مع أصدقاء فيس بوك

← بواسطة azzaman

أذن وعين

دردشة مع أصدقاء فيس بوك

عبد اللطيف السعدون

 

يحدث أن يعاتبك صديق لأنك لم تتابع منشوراته على (فيس بوك) رغم أنه اعتاد أن يخصك بنسخة منها على بريدك الخاص، ولا ينفع تبريرك له أنك مشغول بأمور مهمة تخصك، وقد يبادرك بلوم أشد: (وهل ما أكتبه أنا هو غير مهم؟)، ولا يمكنك أن تفلت من أسئلة صديقك الملحاح، وتتمنى في سرك لو لم تأخذك عيونك إلى (فيس بوك) قبل عقدين، ولو لم تتعرف إلى مارك زوكربيرغ المبرمج الأميركي الذي اخترع هذه المنصة السحرية، وتعود الى صديقك لتجد أنه حذفك من قائمة أصدقائه، ولا تملك سوى أن تحمد الله!

وآخر يضع اسمك ضمن مجموعة على (فيس بوك) من دون أخذ رأيك، ويكتب لك لمتابعة ذلك، وحيث أن اهتمامات المجموعة ليست من اهتماماتك، ثم أنك لا تجد وقتا كافيا للمشاركة فيها، وأنت بهذا العمر، وبهذه الانشغالات تعتذر له لكنه يغضب، يمتعض من اعتذارك، ويرد عليك بأسلوب غير لائق لمجرد أنك اعتذرت عن عدم الانضمام في مجموعة لا تتفق مع اهتماماتك، ولا تملك سوى أن تصمت، ولا ترد، وأمرك الى الله!

اعتقد لا أنت ولا أنا فقط من يعاني من هذه اللعبة السمجة، لكن الكثير عاشوا مثلنا، وعانوا من خبطات بعض اصدقاء (فيس بوك)، وغيرها من وسائل التواصل، وربما لأي واحد مهم العذر الكافي لتبرير فعلته، أو لديه القناعة أنه يقدم لك ما يعتبره جميلا، وعليك أن ترد بجميل مثله، وعلى أية حال فإن زوكربيرغ أتاح لنا بعض الوسائل اللماحة الخفيفة للرد على بوستات الأصدقاء التي قد لا تعنينا، ولا تثير اهتمامنا، ومن بين وسائل الرد المطروحة الصور المتأرجحة، والكاريكاتير الراقص، أو علامات إعجاب أو حب أو استهجان أو حتى علامات ضحك، والمهم أن تخرج سالما، وأن لا تجرح مشاعر أصدقائك الافتراضيين.

منصات تواصل

ورغم ما يسببه الإدمان على (فيس بوك) من متاعب إلا أن هذه المنصة تأخذ مكانها في صدارة منصات التواصل الاجتماعي إذ يستخدمها أكثر من 3 مليارات ناشط شهريا، بما يمثل 40 بالمئة من سكان العالم.

ويقول عالم الاجتماع الفنزويلي ميغيل بوزاني في بحث له عن (فيس بوك) أنه بعد أكثر من عقدين على إنشاء هذه المنصة لم يعد سؤال زوكربيرغ الذي يتصدر الصفحات (ما الذي تفكر فيه؟) كافيا إنما السؤال الأفضل هو (لماذا نشعر بهذه الحاجة الملحة للتعبير من خلال فيس بوك رغم ما قد نصادفه من منغصات او مطبات من القراء، ومن الأصدقاء الافتراضيين؟).

محفزات خوارزمية

يجيب بوزاني أن التعبير في غرفة الدردشة أو على المسنجر ليس فعل تواصل كما يتصور البعض انما هو فعل بناء للذات، واننا لا نكتب لإعلام الآخرين بموقف أو وجهة نظر إنما لكي ندفع بمحفزات خوارزمية تجعل أيا منا جزءا من بيانات في بحر شاسع من معلومات، ويصبح التعليق صرخة تلقائية: (ها أنا ذا، وهذا هو صوتي)، ومهمة الفيس بوك أن يجعل لنا وجودا رقميا وإن كان هذا الوجود في كثير من الأحيان يعتبر وجودا هشا، ولذلك عندما يتقدم من يريد هدمنا بحجج مضادة فهو لا يهاجم أفكارنا بل يهاجم ذواتنا، وعندما يكتب أحدهم: (موافق) أو (هذا هراء) تحصل عملية استقطاب كالذي يحدث بين فريقين رياضيين، وينقسم المتحاورون الى فصائل لا يكون هدفها البحث عن الحقيقة وإنما الدفاع عن كرامة مفترضة عند أحد الفريقين.

وفي نهاية المطاف قد يتقاتل الفرقاء المتخاصمون، وتتوقف الدردشات عن إقامة جسور بينهم، وتصبح مهمتها بناء جدران يصعب ردمها أو التعامل معها. وفي النهاية ينسى مستخدم فيس بوك ما قد يواجهه من شطط وعبث، وتستولي عليه مشاعر تجعله يتوجه برغبة صادقة الحصول على سلام داخلي يعيده الى الدردشة مع أصدقائه، واللعب معهم.

 

 

 

 


مشاهدات 37
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/09/26 - 1:00 AM
آخر تحديث 2026/09/26 - 1:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 182 الشهر 43912 الكلي 16576432
الوقت الآن
السبت 2026/9/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير