الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
(لن ترى الجنة إذا قتلتك إمرأة) حكاية أكبر من فيلم

← بواسطة azzaman

(لن ترى الجنة إذا قتلتك إمرأة) حكاية أكبر من فيلم

إنسانة تختار القول للحرب: لن تأخذي مني الحب

غارسيا ناصح

حين سمعت هذا العنوان لأول مرة، شعرت أن وراء هذه الجملة حكاية أكبر من فيلم، وأعمق من مشهد امرأة تحمل بندقية.نعم، أقولها بكل وضوح: المرأة شيء مقدّس في حياتنا الإنسانية.

هي الأم التي منحتنا الحياة، والزوجة التي تشاركنا الطريق، والأخت التي تسكن جزءًا من ذاكرتنا، والابنة التي نرى فيها امتدادًا لأحلامنا. ولذلك فإن الاعتداء على المرأة ليس اعتداءً على فرد فقط، بل هو جرح يصيب معنى الإنسان نفسه.

لكن الفيلم الكردي للمخرج هلكوت مصطفى يضع أمامنا صورة أخرى للمرأة. امرأة لم تقف في انتظار أن ينقذها أحد، بل حملت سلاحها وذهبت إلى قلب الخطر بحثًا عن شقيقتها. فيان، مقاتلة البيشمركة، لا تدخل الحرب بحثًا عن المجد؛ إنها تدخلها بدافع إنساني: إنقاذ إنسانة تحبها.وهنا يصبح معنى المرأة أوسع من كونها ضحية.

فالمرأة الكردية التي وقفت في مواجهة تنظيم داعش لم تكن تدافع عن نفسها فقط؛ كانت تدافع عن بيت، ولغة، وذاكرة، وعائلة، وأرض، وعن حق الإنسان في أن يعيش بكرامة. والمخرج نفسه تحدث عن رغبته في إيصال شجاعة المرأة الكردية إلى العالم، بعد أن استمع إلى قصص مقاتلات شاركن في تلك الحرب.

لقد عرفت شعوب كثيرة الحرب، وعرفت النساء في كل مكان معنى الخوف والفقد والنزوح. وفي الحروب، كثيرًا ما تكون المرأة من أكبر من يدفعون الثمن: تفقد ابنًا، أو زوجًا، أو بيتًا، أو وطنًا، وقد تُجبر على حمل ذاكرة لا تستطيع نسيانها.لكن المرأة ليست فقط ضحية الحرب.أحيانًا تكون المرأة هي التي تقف أمام الحرب.

حب الحياة

وهذا ما يجعل صورة المرأة الكردية في هذا الفيلم مختلفة ومؤثرة. امرأة تدخل إلى المكان الذي يحاول الآخرون إخافتها منه، لا لأنها تحب الموت، بل لأنها تحب الحياة إلى درجة تجعلها مستعدة للمخاطرة من أجلها.

ولذلك أقرأ عنوان الفيلم بطريقة أخرى (لن ترى الجنة إذا قتلتك امرأة) ربما ليس المقصود فقط أن الرجل الذي تقتله امرأة لن يدخل الجنة؛ ربما يحمل العنوان مفارقة أكبر: أن الرجل الذي استهان بالمرأة، وظن أنها أضعف منه، قد يجد نفسه أمام القوة التي لم يتوقعها.فالمرأة التي تحمي طفلها ليست ضعيفة.والأم التي تقف أمام الخطر من أجل ابنها ليست ضعيفة.والمرأة التي تبحث عن أختها وسط أنقاض الحرب ليست ضعيفة. والبيشمركية التي تحمل السلاح دفاعًا عن أهلها وأرضها ليست أقل شجاعة لأنها امرأة.إنها امرأة اختارت أن تقول للحرب: لن تأخذي مني من أحب.وهنا تكمن روعة الحكاية.

أنا لا أريد أن أرى المرأة تحمل السلاح، ولا أتمنى أن ترى البشرية النساء والرجال في ساحات القتال. أتمنى عالمًا لا تحتاج فيه المرأة إلى بندقية كي تحمي كرامتها، ولا يحتاج فيه الإنسان إلى الموت كي يحافظ على أرضه.لكن حين تُفرض الحرب على الإنسان، تظهر أحيانًا قوة لم يكن أحد يتوقعها.

ومن بين تلك الصور ستبقى صورة المرأة الكردية التي وقفت في وجه داعش واحدة من الصور التي تستحق أن تُروى للعالم؛ لا لأنها امرأة تحمل السلاح فحسب، وإنما لأنها حملت معها ذاكرة شعب، وخوف أم، وحب أخت، وكرامة إنسان.المرأة ليست نصف المجتمع فقط.المرأة هي بداية المجتمع.من رحمها يبدأ الإنسان، ومن قلبها يتعلم الحب، ومن ذاكرتها تنتقل الحكايات، وبها تبقى اللغة والتقاليد والبيت والذاكرة حيّة.ولهذا، حين نحمي المرأة، فإننا لا نحمي جسدًا فقط؛ نحن نحمي معنى الحياة.وحين تُهان المرأة، فإن الإهانة لا تتوقف عندها، بل تمتد إلى كل بيت وكل أم وكل ابنة وكل إنسان يؤمن بأن الكرامة حق للجميع.ربما لهذا السبب بقي عنوان الفيلم في ذهني....فأنا لا أراه عنوانًا عن الموت....أراه عنوانًا عن امرأة قررت ألا تكون ضحية.امرأة دخلت إلى قلب الظلام، وهي تحمل في قلبها شيئًا أقوى من السلاح:الحب.وحين يكون الحب من أجل إنقاذ إنسان، يصبح حتى الخوف نفسه عاجزًا عن إيقاف صاحبه.


مشاهدات 55
الكاتب غارسيا ناصح
أضيف 2026/09/25 - 11:32 PM
آخر تحديث 2026/09/26 - 12:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 67 الشهر 43797 الكلي 16576317
الوقت الآن
السبت 2026/9/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير