الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الوصاية على الطيف.. فرصة لإعادة هندسة الثقة لا ذريعة للذعر

بواسطة azzaman

الوصاية على الطيف..  فرصة لإعادة هندسة الثقة لا ذريعة للذعر

نبيل رحيم العبادي

 

تابعتُ عن كثب تداعيات القرارات الرقابية الكبرى في منطقتنا، أرى في خطوة البنك المركزي العراقي اليوم بفرض الوصاية على مصرف الطيف، رسالةً مزدوجة؛ فهي من جهة تُظهر حزماً رقابياً ضرورياً لحماية المال العام، لكنها من جهة أخرى تطلق موجات من القلق تحتاج إلى معالجة سريعة تسبق تفاقمها. لا يكفي اليوم أن نكتفي بإصدار البيانات، فالثقة سلعة نادرة تُبنى بفعل واضح، لا بقول منمق. الثقة في المصارف ليست ترفاً، بل عصب الاقتصاد، وهي التي تُميّز مصرفاً مستقِراً عن آخر مُنهار. ومن هنا، تبرز حاجتنا الملحّة إلى تحويل هذا القرار الذي قد يُقرأ كعلامة ضعف إلى فرصة نافذة لإعادة هندسة ثقة الجمهور، وذلك بخطة لا تقوم على التبرير، بل على المكاشفة والاستباقية.

في اللحظة التي تتردد فيها الأنباء، تكون الرسالة البصرية المباشرة من قيادات المصارف الناجحة هي أقوى علاج، وذلك عبر استضافة لقاءات حوارية غير تقليدية مع رؤساء مجالس إدارات مصارف تمتلك مؤشرات سلامة مالية فائقة، لعرض أرقام السيولة وكفاية رأس المال .

حالة فردية

كما هي، دون تجميل، وكأنهم يقولون للمواطن: انظر إلى هذه النماذج التي تصمد، فهي ليست استثناءً، بل دليلاً على أن الخلل في حالة فردية معزولة. ينبغي موازاة ذلك بإفصاح استباقي مبسّط عن حيثيات القرار، يحول البنك المركزي من مجرد جهة رقيبة إلى حامٍ حقيقي لأموال المودعين، فيتحول السؤال من (لماذا حدث هذا؟) إلى (كيف يمنعنا هذا من تكراره؟).

إزاء احتمالية سحب الودائع احترازياً، يكمن الحل في تفعيل نافذة إقراض طارئة للمصارف السليمة التي قد تواجه سيولة ضاغطة، مع توفير آجال سداد مرنة وضمانات ميسرة تحول دون لجوء تلك المصارف إلى بيع أصولها بخسارة، وهذا يعني عملياً أن البنك المركزي سيكون بمثابة مظلة سيولة لا تعاقب المصارف الجيدة بتداعيات أزمة ليست من صنعها، إلى جانب توجيه المصارف لتقديم تقارير يومية عن التدفقات، ما يمكّن البنك المركزي من إعادة توزيع السيولة بين المصارف عبر سوق البينك البنكي بشكل مدروس وعاجل. وفي الشق الرقابي، تجدر الإشارة إلى أن الإجراءات التصحيحية الإضافية قد تُقرأ كعبء إضافي، لذا أقترح أن تُطبق تدريجياً، بحيث تراعي حجم كل مصرف ووضعه المخاطري الخاص، مع تقديم حوافز ملموسة للمصارف التي تسبق في تحسين حوكمتها، لأن في التدرج حكمة، وفي التعميم الموحد ظلم قد يُثقل كاهل الملتزمين قبل غيرهم.

جائزة سنوية

لا يمكن فصل سمعة القطاع المصرفي عن أدوات التواصل التي يعتمدها، فلا بد من إطلاق مبادرة نوعية تحت مسمى (الشفافية أولاً) تلتزم فيها المصارف بنشر تقارير تدقيق خارجي موحدة بلغة الأرقام الواضحة، وأن تُرافقها جائزة سنوية تُمنح لأفضل مصرف من ناحية الامتثال والحوكمة، وهذا سينقل الانتباه الإعلامي من الفشل إلى النماذج الناجحة، مما يُعيد توجيه السردية العامة نحو الإنجاز بدلاً من الأزمة. أما على الصعيد الدولي، فيجب أن نكون أكثر جرأة بفتح قنوات اتصال مع اتحاد المصارف العربية والدولية، لعقد ندوات افتراضية تقدم فيها رؤية الإصلاح العراقي للمصرفية، بما يقطع الطريق على أي تشكيك خارجي، ويؤكد التزامنا بمعايير بازل، فالاستثمار الأجنبي لا يأتي بسهولة، لكنه يرحل بأسرع مما نتصور إذا شعر بعدم الاستقرار.

نحن على يقين بأن هذه اللحظة العصيبة قد تكون منعطفاً إيجابياً يتحول فيه التحدي الرقابي إلى نقطة تحول تنظيمي مشرف، إن أحسنّا التعامل معه كفريق واحد يصوغ المستقبل بأيديه، لا كجهات متفرقة تكتفي بإدارة الأزمة لحظة بلحظة. لذلك نحن مستعدون، بإذن الله، لوضع كل خبراتنا وأفكارنا تحت تصرف قيادة البنك المركزي، للخروج من هذه المحنة بقانون مصرفي أكثر نضجاً، وثقةٍ تستحقها مؤسساتنا الوطنية.

 

  مصرفي قانوني

 

 


مشاهدات 58
الكاتب نبيل رحيم العبادي
أضيف 2026/09/07 - 10:14 PM
آخر تحديث 2026/09/07 - 11:28 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 33 الشهر 11907 الكلي 16544427
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير