الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة في رواية جويرية لزينب المرشدي


قراءة في رواية جويرية لزينب المرشدي

ضرغام عبدالرحمن الجابري

 

القسم الأول:

قراءة رواية «جويرية» للدكتورة زينب فاضل المرشدي ليست مجرد نزهة بين صفحات رواية خيالية، بل هي وقوف وجهاً لوجه أمام قصة حقيقية وواقع يفيض بالمسؤولية. الرواية تلمس وتراً إنسانياً حساساً جداً، وإذا أردنا أن نتوقف عند محطة واحدة ونبحر فيها بعمق في هذا القسم من القراءة، فلن نجد موضوعاً أثقل وأصدق من فكرة «التبني» وكيف عالجتها الكاتبة.

الجميل في طرح الدكتورة زينب لفكرة التبني أنها لم تتناولها كحل درامي لتعاطف القارئ، بل طرحتها كفلسفة حياة وكـ «مقياس للشجاعة». في العادة، ينظر المجتمع إلى التبني على أنه سد لنقص يعاني منه من حُرموا من نعمة الإنجاب، وهذا بحد ذاته عمل نبيل وشجاع كما تصفه الكاتبة. لكن الرواية تأخذنا لعمق أبعد وأكثر إدهاشاً عندما تطرح الفكرة الأكبر، وهي: الأشجع منه ذاك الذي يتبنى وهو ينعم بنعمة الذرية.

هذه الجملة تحديداً تقلب مفاهيمنا؛ لأنها تجرد التبني من كونه «حاجة شخصية» للأب أو الأم، ليصبح «عطاءً خالصاً» لطفل لا يملك شيئاً. الكاتبة هنا تجعلنا نرى التبني كفعل إنقاذ حقيقي، ليس فقط للطفل، بل للمجتمع بأسره. فهي تعتبر إشاعة ثقافة التبني بمثابة انتشال لإنسان من بؤرة الضياع والتشرد، وصناعة لمستقبل خالٍ من الجريمة.

من خلال سرد بطلة الرواية، نلمس ذلك الوجع الصامت للأيتام في مشهد شديد التأثير، عندما تقارن بين طريق العودة للبيت حيث كل الأيادي مليئة بالحب، باستثناء «أيادي الأيتام الفارغة». هذا المشهد يمهد للقارئ فهم الدوافع التي جعلت البطلة تتجاوز حدود التعاطف اللفظي إلى الفعل الحقيقي المتمثل في الإجراءات الرسمية والوصاية.

وما يجعل الرواية واقعية وبعيدة عن المثالية الزائفة، أن الكاتبة لم تصور التبني كطريق مفروش بالورد بمجرد اتخاذ القرار. بل أظهرت التعقيدات والتضحيات التي ترافقه. نرى ذلك بوضوح عندما اضطرت البطلة لاستئجار شقة مقابلة لشقتها ونقل الأطفال (ميامين وجعفر) إليها لتوازن بين حياتها الشخصية ورعايتهم، وكيف تحملت قسوة ابتعاد «إبراهيم» وتجنبه للحديث معها بسبب هذا القرار. هذا الصراع يعطي الرواية ثقلاً بشرياً؛ فالتبني هنا هو التزام مرهق، ومواجهة مع الظروف العائلية، وامتحان حقيقي للقدرة على احتواء الآخرين وتوفير الدفء لمعنى كلمة «العائلة» التي وصفتها الرواية بأنها الكلمة الأكثر قداسة.

القسم الثاني:

نكمل غوصنا في عالم «جويرية»، وفي هذا القسم، تأخذنا الكاتبة إلى منطقة شديدة الواقعية، منطقة خالية من الرومانسية المفرطة التي تصاحب عادة قصص رعاية الأيتام. بطلة الرواية هنا لم تعد مجرد أم بديلة، بل أصبحت مديرة وباحثة اجتماعية تواجه يومياً «التشوهات النفسية» التي يتركها اليتم والتشرد في أرواح الأطفال.

فلسفة «البيت» وانهيار الأعمدة

من أعمق التحليلات التي قدمتها الرواية في هذا الجزء، هي تفكيكها لمفهوم «البيت». الكاتبة تخبرنا بوضوح أن البيت ليس جدراناً وسقفاً، بل هو «الأمان والاحتواء والأجواء الحميمية». لكن الأجمل والأكثر وجعاً هو تشريحها الدقيق لما يحدث عندما يفقد الطفل أحد أبويه؛ فهي لا تتحدث فقط عن غياب شخص، بل عن «تخلخل في التوازن».التقاطة الكاتبة هنا ذكية جداً وتنم عن فهم نفسي عميق، حيث تشير إلى أن رحيل الأب أو الأم يجبر الطرف المتبقي على تغيير فطرته لسد الفراغ؛ فالأم قد تتنازل عن بعض حنانها لتكتسب قسوة مطلوبة لحماية صغارها، والأب قد يتنازل عن قوته وصرامته ليعوض أبناءه عن حضن الأم المفقود. هذا التخبط الذي يعيشه الكبار، ينعكس كعدوانية وسلوكيات غريبة لدى الأطفال، وهو بالضبط ما كانت تواجهه البطلة يومياً في محاولتها لخلق توازن اصطناعي داخل مؤسسة لتكون بديلاً عن «البيت الطبيعي».

معركة الترميم النفسي

الرواية لا تبيع لنا وهماً بأن جمع الأطفال في مكان نظيف وإطعامهم سيحل المشكلة. الكاتبة تضع يدها على الجرح الأكبر وهو: الأطفال الذين يلتحقون بالدار متأخرين. هؤلاء يأتون محملين بندوب الشارع، بخيبات متراكمة، وبمشاكل نفسية تجعل اندماجهم مع من هم في سنهم معركة حقيقية. هذا التنوع العمري والنفسي يستهلك طاقة البطلة وزملائها. وفي وسط هذا الإرهاق، تضع لنا الرواية معياراً حقيقياً للنجاح؛ فبينما يصفق المجتمع لنجاح مؤسسة «بيت أكبر» ويتبرعون بالمال، نجد أن البطلة لا تلتفت لهذا البريق الاجتماعي، بل تجد عزاءها ومكافأتها الوحيدة في «تلك اللمعة التي تراها في عيون الأطفال». إنها تفصل تماماً بين الوجاهة الاجتماعية للعمل الخيري، وبين جوهره الإنساني الخالص.

صدمة الشارع والنهاية التي ترفض الإغلاق

وصولاً إلى الفصل الأخير «مسك الختام»، تصدمنا الكاتبة ببراعة. بعد مرور خمس سنوات وتأسيس صرح يضم مئات الأطفال، ونجاح مبهر يتحدث عنه الناس... تقف البطلة عند إشارة مرور لتطرق نافذتها طفلة متسولة تُدعى «مليكة».

هذا المشهد ليس مجرد صدفة درامية، بل هو رسالة قوية من الكاتبة مفادها: «مهما كبر حجم الملاذ الذي نبنيه، فإن الشارع لا يزال يبتلع المزيد من الضحايا». الخير لا يكتمل بضربة واحدة، والشر المتمثل في عصابات استغلال الطفولة لا ينام.

رؤية البطلة لملامح أطفالها (إحسان، ميامين، جعفر) في وجه الطفلة الغريبة «مليكة» هو تجسيد لحقيقة أن «اليتم والتشرد لهما وجه واحد». لم تكتفِ البطلة بالتعاطف وإعطاء النقود، بل تحركت كبوصلة لا تخطئ طريقها نحو الإنقاذ، ولاحقت الخيط حتى كشفت عصابة التسول.

ادخلوها بسلام آمنين

اختيار الكاتبة لإنهاء الرواية بهذه الجملة العظيمة والمقتبسة من القرآن الكريم، وقولها للطفلة مليكة وهي تفتح لها باب «بيت أكبر»، هو تتويج لكل التعب والجهد الموصوف في الرواية. لقد حولت هذا المكان من مجرد «دار أيتام» أو مبنى إسمنتي، إلى حرم آمن، إلى جنة صغيرة على الأرض لا يدخلها الخوف بعد اليوم.

خلاصة القول:

الدكتورة زينب المرشدي لم تكتب رواية لتمشية الوقت، بل كتبت «وثيقة عمل اجتماعي» مغلفة بسرد أدبي ممتع. جعلتنا نرى أن احتضان الأطفال ليس قراراً عاطفياً يُتخذ في لحظة شجن، بل هو التزام طويل الأمد، وحرب يومية ضد القبح والضياع، وأن شجاعة الحب الحقيقية تكمن في القدرة على الاستمرار في هذا الترميم،

طفلاً بعد آخر.


مشاهدات 56
الكاتب ضرغام عبدالرحمن الجابري
أضيف 2026/07/25 - 1:32 AM
آخر تحديث 2026/07/25 - 6:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 395 الشهر 26975 الكلي 15932102
الوقت الآن
السبت 2026/7/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير