الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إنهاء الإفلات من العقاب 

بواسطة azzaman

إنهاء الإفلات من العقاب 
رغد الكناني
 
تُعد سيادة القانون الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الدول الحديثة، فهي الضامن لتحقيق العدالة، وحماية الحقوق، وصيانة الحريات، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. ولا يمكن لأي دولة أن تحقق الاستقرار أو التنمية المستدامة ما لم يكن القانون هو المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع دون استثناء. ومن هذا المنطلق، فإن إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب يمثل خطوة جوهرية في بناء دولة المؤسسات، وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
لقد أثبتت التجارب أن غياب المساءلة لا يؤدي فقط إلى إضعاف هيبة الدولة، بل يفتح المجال أمام انتشار الفساد الإداري والمالي، ويؤثر في كفاءة المؤسسات، ويعرقل تنفيذ الخطط التنموية، ويضعف قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. فكل تجاوز لا يواجه بالمحاسبة وفق القانون، قد ينعكس سلبًا على ثقة المجتمع، ويؤثر في الشعور بالمساواة أمام العدالة.
إن مكافحة الفساد لا تتحقق بالشعارات أو البيانات، وإنما بإرادة وطنية صادقة، وإجراءات عملية تستند إلى الدستور والقوانين النافذة، وتضمن استقلال القضاء، وتدعم عمل الأجهزة الرقابية، وتعزز الشفافية في إدارة مؤسسات الدولة. فالمسؤولية العامة تكليف لخدمة المواطنين، وليست امتيازًا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة، كما أن المنصب العام يقترن بالمسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه المجتمع.
ولا يقتصر مفهوم المساءلة على محاسبة المخالفين بعد وقوع التجاوزات، بل يشمل أيضًا بناء منظومة إدارية وقانونية قادرة على الوقاية من الفساد قبل حدوثه، من خلال اعتماد معايير واضحة في التعيين والترقية، وتفعيل أنظمة الرقابة الداخلية، والاعتماد على التقنيات الحديثة في إدارة الموارد والخدمات، بما يسهم في الحد من فرص استغلال السلطة أو إساءة استخدام المال العام.
إن ترسيخ مبدأ خضوع الجميع للقانون دون تمييز يمثل حجر الأساس لبناء الدولة الحديثة. فالمساواة أمام القانون ليست شعارًا، وإنما مبدأ دستوري يعزز العدالة، ويكرس ثقة المواطنين بأن الحقوق مصانة، وأن الواجبات تطبق على الجميع بالقدر نفسه، بعيدًا عن أي اعتبارات شخصية أو سياسية أو اجتماعية. وعندما يلمس المواطن عدالة الإجراءات وشفافيتها، تتعزز ثقته بالدولة ومؤسساتها.
ويمتلك العراق مقومات كبيرة تؤهله لتحقيق نهضة حقيقية، فهو يملك ثروات طبيعية هائلة، وكفاءات علمية ومهنية، وطاقات شبابية قادرة على الإبداع والإنتاج. إلا أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب بيئة قانونية وإدارية مستقرة، تقوم على النزاهة، والشفافية، وحسن الإدارة، وتكافؤ الفرص، بما يسهم في جذب الاستثمارات، وتحفيز الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما أن للإعلام المهني دورًا مهمًا في نشر ثقافة احترام القانون، وتعزيز الوعي المجتمعي بقيم النزاهة، وتسليط الضوء على أهمية الإصلاح المؤسسي، مع الالتزام بالدقة والموضوعية واحترام الإجراءات القانونية. ويوازي ذلك دور الجامعات، والمؤسسات التعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، في ترسيخ ثقافة المواطنة، والمسؤولية، واحترام المال العام، وغرس قيم النزاهة لدى الأجيال الجديدة.
إن بناء دولة المؤسسات مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، إلى جانب الأجهزة الرقابية، ومؤسسات المجتمع، والمواطنين أنفسهم. فنجاح أي مشروع إصلاحي يرتبط بوجود إرادة وطنية حقيقية تؤمن بأن قوة الدولة لا تُقاس بعدد مؤسساتها، وإنما بقدرتها على تطبيق القانون بعدالة، وحماية الحقوق، وتحقيق المصلحة العامة.
واليوم يقف العراق أمام فرصة مهمة لتعزيز مسيرة الإصلاح، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، وتفعيل مبدأ المساءلة وفق الدستور والقانون، بما يحقق العدالة، ويصون المال العام، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم. فكل خطوة تُتخذ في هذا الاتجاه تمثل استثمارًا في مستقبل الوطن، وتسهم في بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستقلالية وفاعلية.
إن استعادة ثقة المواطن بالدولة لن تتحقق إلا عندما يرى أن العدالة تُطبق على الجميع دون استثناء، وأن القانون هو المرجع الأعلى، وأن الحقوق تُصان، والواجبات تُؤدى، والمسؤولية تقترن بالمحاسبة. فبسيادة القانون تُبنى الدول، وبالنزاهة تزدهر المؤسسات، وبالعدالة تستقر المجتمعات، وبإنهاء الإفلات من العقاب يخطو العراق بثقة نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وتنمية، يليق بتاريخ شعبه وطموحات أبنائه.


مشاهدات 72
أضيف 2026/07/25 - 1:22 AM
آخر تحديث 2026/07/25 - 6:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 395 الشهر 26975 الكلي 15932102
الوقت الآن
السبت 2026/7/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير