الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجندي يغادر والشركة تدخل.. زيارة واشنطن وإختبار الدبلوماسية الناعمة

بواسطة azzaman

الجندي يغادر والشركة تدخل.. زيارة واشنطن وإختبار الدبلوماسية الناعمة

فاضل الغراوي

 

يمكن اختصار التحول الذي أرادت زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن التعبير عنه في مشهد واحد: الجندي الأميركي يستعد للمغادرة، والشركة الأميركية تستعد للدخول.

أكد العراق والولايات المتحدة مغادرة القوات الأميركية المتبقية بحلول الثلاثين من أيلول، فيما خرجت الزيارة بثمانية وأربعين اتفاقاً ومذكرة تفاهم وإعلان شراكة، تتجاوز قيمتها المعلنة ستين مليار دولار، وتشمل الطاقة والتكنولوجيا والصحة والاتصالات والخدمات المالية والبنى التحتية.

بين المغادرة والدخول تتشكل علاقة جديدة. تتراجع فيها أولوية الملف العسكري، وتتقدم لغة الاستثمار والتجارة والمعرفة. وهذا التحول يفتح أمام العراق فرصة لإعادة تعريف نفسه في العالم: دولة تعرض المصالح والفرص، بعد سنوات ظهر فيها بوصفه ملفاً أمنياً أو ساحة صراع.

قدرة دولة

تلك هي الدلالة الأهم للزيارة.

فالقوة في العلاقات الدولية لم تعد تقاس بحجم الجيوش وحده. تقاس أيضاً بقدرة الدولة على الإقناع، ومصداقية مؤسساتها، وحيوية اقتصادها، والصورة التي تقدمها عن نفسها. وحين يختار الآخرون التعاون معها لأنهم يرون فيها شريكاً موثوقاً وفرصة واعدة، تعمل القوة الناعمة إلى جانب الاقتصاد والسياسة.

ولا تختصر القوة الناعمة في الكلمات اللطيفة والمصافحات أمام الكاميرات. إنها حصيلة من الثقة والمصداقية وكفاءة المؤسسة. قد تفتح الزيارة السياسية الباب، لكن بقاءه مفتوحاً يتوقف على ما تفعله الدولة بعد عودة الوفد.

حققت زيارة الزيدي اختراقاً مهماً في هذا الاتجاه. فقد أكد الطرفان رغبتهما في نقل العلاقة من طبيعتها العسكرية إلى شراكة اقتصادية، ثم عقد الوفد العراقي لقاءات مع مؤسسات وشركات كبرى، واختتمت قمة الأعمال العراقية–الأميركية بإعلان عشرات التفاهمات في قطاعات حيوية.

وتكمن أهمية الحزمة في تنوعها. فالاقتصاد العراقي يحتاج إلى الخروج من الاعتماد المفرط على إنتاج النفط الخام وتصديره، والتوسع في استثمار الغاز وتطوير الكهرباء ونقل التكنولوجيا وتحديث المصارف وخلق فرص عمل منتجة. وعندما تدخل الشركات الكبرى في هذه المجالات، تحمل معها التمويل والخبرة والمعايير وأساليب الإدارة والوصول إلى الأسواق.

وتحمل مشاريع الأنابيب المقترحة دلالة ستراتيجية خاصة. فقد أثبت اضطراب الملاحة في مضيق هرمز أن الثروة التي تعتمد على ممر واحد تبقى معرضة للخطر. لذلك يمثل البحث عن منافذ عبر جيهان وبانياس محاولة لتحويل الجغرافيا من قيد إلى خيار. فالدبلوماسية الاقتصادية الفاعلة تستثمر درس الأزمة في بناء البديل.

وتقدم تفاهمات البنك المركزي العراقي مع الخزانة الأميركية مثالاً آخر. فقد أُعلن إمكان عودة سبعة مصارف عراقية تدريجياً إلى قنوات المراسلة الخارجية بعملات غير الدولار، مع فتح الطريق أمام التعامل به لاحقاً بعد استيفاء متطلبات إضافية في الامتثال والحوكمة.

قد يبدو الملف تقنياً، لكنه يقع في صميم صورة العراق الدولية. المصرف المنضبط يمنح المستثمر الثقة، والحوكمة تخفض المخاطر، والامتثال يحمي المال العراقي من العزلة. وحين تســـــــــــتوفي المؤسسات الوطنية المعايير الدولية، تنتقل العلاقات الخارجية من طلب الاستثناءات إلى بناء الشراكات.

لهذا ينبغي قراءة زيارة واشنطن كبداية عمل. فقسم من الوثائق المعلنة يقع في نطاق مذكرات التفاهم والاتفاقات غير الملزمة. قيمتها ستظهر عندما تتحول إلى عقود نافذة، ثم إلى مشروعات ومحطات ومصانع وفرص عمل. وبين التوقيع والإنجاز تقف التشريعات والإجراءات والتمويل والضمانات وقدرة المؤسسة على اتخاذ القرار.

تستطيع الدبلوماسية فتح الطريق أمام المستثمر، لكن الإدارة الوطنية تقرر إن كان سيصل إلى غايته. وقد تضيع فرصة كبيرة بسبب معاملة متأخرة، أو صلاحيات متعارضة، أو عقد لا يجد الحماية القانونية، أو مشروع تتوزع مسؤوليته بين مؤسسات عديدة.

مدن دينية

ومن هنا تبدأ القوة الناعمة من الداخل: من مطار منظم، ومصرف موثوق، وقضاء يحمي العقد، وجامعة تنتج المعرفة، وإدارة تحترم الوقت، ومدينة يستطيع المستثمر والباحث والسائح أن يعيش فيها بأمان. تصنع الخطب صورة الدولة في الخارج، وتثبت التجربة داخلها صدق تلك الصورة.

ويمتلك العراق عناصر واسعة لبناء هذه القوة: حضارة تمنحه حضوراً رمزياً، وموقعاً يربط الخليج بتركيا وسوريا والأردن وإيران، وموارد طبيعية كبيرة، ومدناً دينية تستقبل ملايين الزائرين، ومجتمعاً شاباً وطاقات علمية وثقافية حية. وتكمن المهمة في جمع هذه العناصر ضمن صورة عراقية واحدة قابلة للتقديم إلى العالم.

ولا يعني الانفتاح على الولايات المتحدة انتقال العراق من محور إلى آخر. تنشأ قيمة السياسة الخارجية العراقية من تنويع الشراكات وحماية القرار الوطني. فالعلاقة الاقتصادية مع واشنطن تستطيع أن تتعايش مع علاقات متوازنة مع الدول العربية والخليجية وتركيا وإيران والصين وأوروبا، ما دامت المصلحة العراقية تحدد موقع كل علاقة وحدودها.

التوازن لا يعني الوقوف ساكناً بين المتنافسين. يعني التحرك في اتجاه المصلحة الوطنية، واستخدام كل شراكة لتوسيع قدرة العراق، لا لاستبدال اعتماد بآخر.

وسيقاس نجاح الزيارة بعدد الاتفاقات التي تتحول إلى عقود، وحجم الاستثمارات التي تصل، وفرص العمل التي تُخلق، والتكنولوجيا التي تُنقل. كما سيقاس بقدرة الحكومة على بناء علاقة لا تجعل الاقتصاد غطاءً لتبعية سياسية، ولا تجعل الحساسية السياسية ذريعة لرفض الفرص.

فتحت زيارة واشنطن باباً مهماً. وعلى المؤسسات العراقية أن تمنع عودته إلى الإغلاق تحت ثقل البيروقراطية وتعدد القرار. فالقوة الناعمة اسم آخر لدولة صلبة المؤسسات، جاذبة في صورتها، موثوقة في التزاماتها.

عندها يكتمل التحول الحقيقي: يغادر الجندي، تدخل الشركة، ويبقى القرار عراقياً.

 

 


مشاهدات 72
الكاتب فاضل الغراوي
أضيف 2026/07/20 - 3:52 PM
آخر تحديث 2026/07/21 - 2:59 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 730 الشهر 22731 الكلي 15927858
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير