مليار إسمك عز وهيبة
حسن الحيدري
منذ فجر التاريخ ارتبط الانسان بالمال والثروة بوصفهما وسيلة لتحقيق الامان والاستقرار وتلبية الحاجات المختلفة وقد اودع الله في النفس البشرية حب التملك والسعي الى الرزق الحلال كما في قوله تعالى وتحبون المال حبا جما وهذا الميل الفطري لا يلام عليه الانسان ما دام منضبطا بالقيم والاخلاق وموجها نحو الخير والبناء
غير ان الاسلام لم يات لالغاء هذه الفطرة بل جاء لتزكيتها وتقويمها فالمال في التصور الاسلامي نعمة واستخلاف وليس غاية بحد ذاته لذلك شرعت الزكاة والصدقات وسائر ابواب الانفاق لتطهير النفس من الشح والبخل ولتحقيق التوازن الاجتماعي بين افراد المجتمع فالمال الذي يؤدى حقه يكون سببا للبركة والطمأنينة اما المال الذي يتحول الى اداة للتفاخر والاستعلاء فانه يفقد كثيرا من معانيه الانسانية ويصبح وسيلة للفرقة بدلا من ان يكون وسيلة للاعمار والتكافل
وفي كثير من المجتمعات العربية ما زالت المكانة الاجتماعية تقاس احيانا بحجم الثروة اكثر من قياسها بالعلم او الاخلاق او خدمة المجتمع لذلك نرى بعض الناس يبالغون في اظهار الاحترام لاصحاب الاموال حتى لو كانت تلك الاموال قد جمعت بطرق غير مشروعة او ارتبطت بالبخل وغياب المسؤولية الاجتماعية وفي المقابل قد يهمش اصحاب الكفاءة والفضيلة اذا كانوا محدودي الدخل رغم ان المجتمعات لا تنهض الا بعلمائها ومبدعيها واصحاب الضمائر الحية فيها
كما ان الازمات الاقتصادية تخلق شعورا بالعجز لدى بعض الافراد فيصبحون اكثر انجذابا الى اصحاب الثروات املا في الحصول على منفعة او فرصة او دعم مادي وهذا السلوك لا يعكس بالضرورة احتراما حقيقيا للشخص الثري بل يعكس في كثير من الاحيان حالة من الحاجة او الشعور بالنقص المرتبط بالوضع الاقتصادي ومن هنا تظهر اهمية بناء وعي مجتمعي يميز بين احترام الانسان لذاته واخلاقه وبين التعلق بما يملك من اموال وممتلكات
ومن الملاحظ ايضا ان وسائل الاعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي ساهمت احيانا في ترسيخ ثقافة المظاهر اذ اصبح بعض الناس يقيسون النجاح بما يعرض من سيارات فاخرة او منازل كبيرة او مظاهر رفاهية بينما تغيب عن الانظار قيم العمل والاجتهاد والعطاء وهذا الامر قد يدفع الشباب الى الاعتقاد بان الثروة وحدها هي الطريق الى الاحترام والتقدير في حين ان التاريخ مليء بشخصيات خلدها الناس بسبب علمها او مواقفها او خدماتها للانسانية لا بسبب ما امتلكته من اموال
ان المجتمعات السليمة هي التي تمنح التقدير للانسان بناءا على اخلاقه وعطائه وكفاءته لا على حجم ما يملك من اموال فالمال وسيلة مهمة للحياة الكريمة والتنمية لكنه لا يصنع وحده قيمة الانسان وقد اكد الاسلام هذا المعنى عندما جعل معيار التفاضل الحقيقي هو التقوى والعمل الصالح لا الثروة او الجاه او النفوذ
لذلك فان التحدي الحقيقي امام المجتمعات المعاصرة لا يتمثل في امتلاك المال بل في بناء ثقافة تجعل المال في خدمة الانسان والمجتمع لا ان يتحول الانسان الى تابع للمال او اسير لسلطانه فحين تتوازن القيم المادية مع القيم الاخلاقية يتحقق مجتمع اكثر عدالة واحتراما للانسان بغض النظر عن ثروته او مكانته الاقتصادية
والغريب في هذا الامر ان بعض اصحاب الثروات يكدسون الاموال ويدفنون فائضها بعيدا عن حاجات الناس متناسين ان النهاية واحدة لكل البشر وان الانسان مهما جمع من مال او ملك فلن ياخذ معه الى قبره سوى عمله الصالح فالكفن الابيض لا يحتوي على جيوب ولا ترافق الإنسان دفاتر الصكوك والحسابات وانما يرافقه ما قدمه من خير واحسان وعدل بين الناس لذلك فان اعظم استثمار يمكن للانسان ان يدخره ليوم العرض على الله هو العمل الصالح والذكر الحسن والاثر الطيب الذي يبقى بعد رحيله..