كيف خسرنا فضيلة السؤال؟
عدنان ابوزيد
ليست أزمة العقل العراقي في نقص المعرفة، بل في الطريقة التي يتعامل بها مع المعرفة، ذلك أن المشكلة لا تبدأ من شحّ المعلومات، وإنما من وفرتها حين تُخزَّن بوصفها أجوبة جاهزة لا بوصفها مادة للتفكير.
ومن هنا تكمن المعضلة القديمة التي ما زالت تمدّ ظلها على المدرسة والجامعة والبيت والشارع: عقلٌ يتقن الحفظ أكثر مما يتقن الشك، ويبرع في استعادة الموروث أكثر مما يغامر في مساءلته.
أجيال كثيرة ترعرعت على نموذج ذهني يفضّل التلقّي على الاكتشاف، ويمنح اليقين مكانة أعلى من السؤال.
وفي هذا النموذج لا تُقاس كفاءة الطالب بقدرته على التفكيك والتحليل، بل بمقدار ما يختزنه من نصوص وتعريفات ومرويات.
وهكذا يتحول الذهن إلى مستودع عامر بالمحفوظات، لكنه متردد أمام فكرة جديدة، وحذر من النقاش، ومرتبك كلما طُلب منه أن ينتج معنى خاصا به، لا أن يعيد ما قيل له.
وحين يفقد المجتمع شهيته للأسئلة، يصبح أسير الصور الجاهزة عن نفسه وعن العالم، وبدلا من أن يقدّم روايته الخاصة بثقة، يكتفي أحيانا باستهلاك ما يُقال عنه، أو يردّد ما يقال للآخرين من دون تمحيص.
وعند هذه النقطة لا يعود الخلل تعليميا فحسب، بل يتحول إلى نمط حياة كامل، يظهر في اللغة اليومية، وفي أساليب النقاش.
المشهد الثقافي العربي والعراقي يقدم مفارقة لافتة، فالعراق بلد ممتلئ بالطاقات والذكاء الفردي والقدرة على التكيّف، لكنه في الوقت نفسه يعاني من ضعف واضح في تحويل هذه الطاقة إلى أثر معرفي مستدام، فنحن نرى شبابا واسع الاطلاع على ما تنتجه الثقافات الأخرى، سريع الالتقاط للرموز والموضات والأساليب، لكننا نرى في المقابل حضورا خافتا للمبادرة الفكرية التي تعيد إنتاج هذه المؤثرات محليا، أو تحاورها من موقع الندّ لا من موقع المتلقي المنبهر.
والحقيقة أن العقل الذي لا يتدرب على النقد، يبقى هشّا أمام أي خطاب منظم، مهما كانت جاذبيته أو مصدره، إنه عقل يلتقط العناوين الكبيرة، لكنه يتعثر في التفاصيل، ويأنس بالنتائج قبل أن يمرّ بمشقة البرهنة، لذلك يصبح من السهل أن تتكدس في الوعي الجمعي أحكام مسبقة.
وعلى سبيل المثال، فان التاريخ العربي كُتب كله ويقرا كله بهذه النمطية.
المأزق لا يخص المؤسسات التعليمية وحدها، بل يمتد إلى المجال الثقافي والإعلامي والاجتماعي، حيث ما زالت قيمة المتكلم تُقاس أحيانا بنبرة اليقين لا بقوة الحجة، وبعدد ما يرويه من مسلمات لا بما يفتحه من نوافذ للتفكير.
إن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تعرف أكثر فحسب، بل تلك التي تعلّمت كيف تفكر في ما تعرفه.
ما يحتاجه العقل العربي ليس مزيدا من الأجوبة الجاهزة، بل بيئة تحترم السؤال، وتكافئ الفضول، وتدرب الفرد على الشك المنهجي.
تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تعريف النجاح التربوي والثقافي، فالنجاح ليس أن ننتج جيلا يحفظ أكثر، بل جيلا يرى أبعد، نحن في حاجة الى تدريب جيل لا يخاف من مراجعة المألوف.