الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدبلوماسية التنموية الأذربيجانية ومسارات الإستثمار العراقي

بواسطة azzaman

الجسور الصاعدة بين القوقاز والرافدين

الدبلوماسية التنموية الأذربيجانية ومسارات الإستثمار العراقي

راسم عبد الله

 

تموضع جيوسياسي جديد: أذربيجان كحلقة وصل في هندسة النظام الدولي المتغير تشهد الساحة الدولية تحولات بنيوية عميقة تعيد ترتيب موازين القوى وتفرض على الدول النامية والناشئة تبني مقاربات دبلوماسية مرنة لضمان مكانتها في النظام العالمي متعدد الأقطاب. وفي قلب هذه التغيرات، برزت جمهورية أذربيجان كلاعب جيوسياسي ودبلوماسي نشط يتجاوز تأثيره حدود منطقة جنوب القوقاز. ولم يكن هذا الصعود وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لسلسلة من النجاحات الدبلوماسية الملموسة التي نالت ثقة المجتمع الدولي؛ ويتبدى ذلك بوضوح في نيل أذربيجان العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي )2012-2013(، حيث استغلت هذه المنصة الدولية لطرح قضايا تهم العالم الإسلامي مباشرة، ودعمت مواقف البلدان الشقيقة انطلاقا من مبدأ التضامن الإسلامي، مُقدِّمةً عدداً من المبادرات الدولية التي تصب في مصالح تلك البلدان، والتي كان منها تنظيم اجتماع رفيع المستوى – لأول مرة – حول موضوع «تعزيز الشراكة بين منظمة الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي» في نيويورك. ولم تتوقف الطموحات عند هذا الحد، بل توّجت أذربيجان حضورها الدولي بتوليها رئاسة حركة عدم الانحياز (2019-2023) – ثاني أكبر منظمة دولية بعد الأمم المتحدة – في خطوة عكست الثقة العالمية بقدرتها القيادية. وقد نجح البلد خلال رئاسته في إرساء إطار مؤسسي يربط الحركة بمنظمة التعاون الإسلامي، إلى جانب تفعيل العمل متعدد الأطراف في القضايا الحيوية الكبرى.

مؤتمرات دولية

تتكامل هذه القيادة السياسية مع دور باكو المحوري كمنصة عالمية لاستضافة وتنظيم أكبر المؤتمرات الدولية المعنية بمستقبل الكوكب وتنميته؛ حيث استضافت باكو بنجاح مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (COP29) في نوفمبر 2024، الذي اختتم باتفاق تاريخي يُلزم الدول المتقدمة بتقديم 300  مليار دولار سنوياً لمساعدة الدول النامية على مواجهة آثار التغير المناخي بحلول عام 2035. كما نظمت العاصمة الأذربيجانية في مايو 2026 الدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي (WUF13)  برعاية برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية  (UN-Habitat)؛ مكرسةً مكانتها كمنصة دولية تجمع صناع القرار والخبراء لتبادل حلول التنمية الحضرية المستدامة.

ذروة الحراك الإسلامي المشترك في باكو: ثمار التنمية البرلمانية والاقتصادية لعام 2026

لم تكتفِ أذربيجان بأدوارها الأممية، بل وظفت ثقلها الإقليمي لتعزيز التماسك والازدهار في العالم الإسلامي خلال شهر يونيو 2026، من خلال تنظيم استحقاقين كبيرين بالتعاون مع مؤسسات منظمة التعاون الإسلامي.

تمثل الاستحقاق الأول في الاجتماعات السنوية الحادية والخمسين لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية، التي احتضنتها باكو في الفترة من 16 إلى 19 يونيو 2026 تحت شعار «التكامل الإقليمي رافد الازدهار المستدام». وقد أسفرت هذه الاجتماعات تحت الرعاية السامية للرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وبمشاركة أكثر من 4400 مندوب عن مخرجات تاريخية؛ إذ أثمرت اللقاءات عن صياغة مقاربات تنموية مبتكرة تمثلت في توقيع 67 اتفاقية تمويلية تجاوزت قيمتها الإجمالية 6 مليارات دولار أمريكي لدعم مشاريع البنية التحتية، والأمن المائي والغذائي، والابتكار الرقمي في الدول الأعضاء، إلى جانب موافقة مجلس المديرين التنفيذيين للبنك على تمويل إنمائي ضخم بقيمة 2.8 مليار دولار.

منظمة تعاون

وإثباتاً لالتزامها بمهمة البنك الإسلامي للتنمية، أعلنت أذربيجان خلال هذا الحدث عن زيادة حصتها في رأس مال البنك بمقدار عشرة أضعاف.

أما الاستحقاق الثاني، فقد تمثل في الدورة العشرين لمؤتمر الاتحاد البرلماني للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي (PUIC)، المنعقدة في الفترة من 24 إلى 25 يونيو 2026 بمشاركة برلمانية واسعة شملت وفوداً من أكثر من 40 دولة ورؤساء برلمانات أكثر من 10 دول. وتوج المؤتمر بتسلّم أذربيجان رئاسة الاتحاد، مما يتيح لباكو قيادة الدبلوماسية البرلمانية الإسلامية وتوجيهها نحو دعم التنسيق السياسي وحماية السلم الإقليمي. وتؤكد هذه الفعاليات مجتمعة قدرة أذربيجان الفائقة على تسييل قدراتها التنظيمية والمالية لخدمة قضايا العالم الإسلامي وربط اقتصاداته عبر قنوات تنموية مستدامة. المشاركة العراقية الفاعلة: حضور تشريعي رصين وبحث عن بدائل اقتصادية طموحة

جاء حضور جمهورية العراق في هذه المحافل الإسلامية بباكو ليعكس استراتيجية بغداد الجديدة القائمة على التوازن الخارجي والانفتاح الاقتصادي، معززاً بمشاركة ملموسة وعالية التمثيل في المؤتمرات التشريعية والتنموية.

وعلى الصعيد البرلماني، سجل العراق حضوراً فاعلاً في أعمال الدورة العشرين لاتحاد برلمانات الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي؛ حيث عقد رئيس الوفد العراقي والنائب الأول لرئيس مجلس النواب، السيد عدنان فيحان الدليمي، على هامش المؤتمر.

 لقاءً ثنائياً مع السيدة رئيسة البرلمان الأذربيجاني صاحبة قفاروفا في 25 يونيو 2026. وتناول هذا اللقاء تفعيل لجان الصداقة البرلمانية المشتركة وتكثيف التبادل التشريعي، فضلاً عن أهمية زيادة حجم التبادل التجاري وتوسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية المشتركة. كما تم طرح ملفات خدمية وتعليمية ملموسة، حيث ركّز الجانبان على تعزيز التبادل الأكاديمي، وتسهيل إجراءات دخول السياح والطلبة لتنشيط التعاون السياحي والاقتصادي بين بغداد وباكو.

أما على الصعيد المالي والتنموي، فقد واكب العراق أعمال الاجتماعات السنوية الـ51 للبنك الإسلامي للتنمية متمثلا بمعالي الدكتور علي محسن العلاق، محافظ البنك المركزي العراقي؛ حيث تركز الاهتمام العراقي على آليات التمويل الإقليمية التي تتيحها أدوات التمويل الإسلامي، وبحث إمكانيات الاستفادة من الصكوك الإسلامية (والتي أصدر البنك منها 5 مليارات دولار في عام 2025) لتمويل البنية التحتية والمشاريع اللوجستية الكبرى في العراق. ويمثل هذا التوجه العراقي نقطة التقاء استراتيجية مع شعار قمة باكو «التكامل الإقليمي»، خاصة وأن العراق يطرح حالياً مشروع «طريق التنمية» كأكبر مشروع ربط بري وسككي يربط الخليج العربي بأوروبا عبر تركيا، وهو مشروع يتطلب تعبئة تمويلية ضخمة تقع ضمن اختصاصات واهتمامات البنك الإسلامي للتنمية.

استشراف مستقبل العلاقات في ضوء قمة منظمة التعاون الإسلامي 2027

إن النظرة الاستراتيجية لمستقبل العلاقات العراقية الأذربيجانية تكشف عن فرص واعدة وهائلة للنمو، لاسيما مع إعلان فخامة الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف رسمياً عن استضافة جمهورية أذربيجان للدورة السادسة عشرة لمؤتمر قمة منظمة التعاون الإسلامي وتوليها رئاسة المنظمة في عام 2027. إن هذا الاستحقاق السياسي الإسلامي الرفيع سيشكل منصة غير مسبوقة لتعزيز التنسيق والتعاون المشترك بين بغداد وباكو. وتتيح رئاسة أذربيجان المرتقبة لمنظمة التعاون الإسلامي في العام القادم للعراق توظيف هذا المنبر الدولي لتعزيز موقعه كقوة استقرار وتوازن في الشرق الأوسط، مستفيداً من العلاقات الدبلوماسية المتينة التي تجمع باكو بمختلف الأطراف الإقليمية والدولية.  

ويمكن للبلدين الاستثمار في هذا الزخم عبر ربط المشاريع القومية العملاقة؛ حيث يشكل مشروع «طريق التنمية» العراقي الطموح حلقة تكامل مثالية مع ممر النقل الدولي «الجنوب-الشمال» والممرات التجارية الأوراسية المارة عبر أذربيجان، مما يحول البلدين إلى قلب لوجستي نابض يربط آسيا الوسطى وجنوب القوقاز بالشرق الأوسط والخليج العربي. علاوة على ذلك، فإن الشراكة المتنامية في ظل قمة منظمة التعاون الإسلامي المقبلة ستسهم في تحفيز الاستثمارات البينية وتوسيع دائرة التعاون الثقافي والأكاديمي، بما يمهد لرفع مستوى العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية إلى آفاق استراتيجية شاملة. إن هذا المسار التعاوني المتصاعد لا يخدم المصالح الثنائية للبلدين الصديقين فحسب، بل يمثل ركيزة هامة لدعم التضامن الإسلامي والتنمية الاقتصادية المستدامة في عالم يمر بتحولات جيوسياسية عميقة تفرض على الجميع بناء جبهات تنموية واقتصادية متماسكة.  


مشاهدات 71
الكاتب راسم عبد الله
أضيف 2026/07/09 - 2:09 AM
آخر تحديث 2026/07/09 - 6:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 324 الشهر 8958 الكلي 15914085
الوقت الآن
الخميس 2026/7/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير