أذن وعين
(خوارزميات) تتحكّم بعقولنا
عبد اللطيف السعدون
تعرفت على (فيسبوك) قبل أكثر من عقد، وفي حينه نشأت بيني وبينه علاقة يومية إذ وفر لي متعة الاتصال بالأصدقاء، ومعرفة أخبارهم، والاطلاع على ما يكتبونه، وفي صفحتي الخاصة أتاح لي أن أوصل ما أكتبه الى الأصدقاء والقراء الآخرين، كما عرفني على أصدقاء ومعارف جدد، لكنني بعد كل هذه السنين أجد نفسي منغمسا في لعبة تسرق وقتي، وتأخذ مني الكثير لكنها لا تقايضني إلا بالقليل، وقد بدأ الملل يتسرب الي بعدما اكتشفت أن (الفيس بوك) لم يعد كما عرفته في البداية فقد بدأت تختفي بعض كتابات الأصدقاء فيما تظهر أمامي كتابات أخرى ليست من اهتماماتي، وقد أعلمني أصدقاء عارفون بما كنت أجهله أن ثمة ما يسمونه (خوارزميات) رياضية ذكية هي التي تدفع بعض المواد؛ وتحجب أخرى، ومع أنني لا أعتقد بنظرية المؤامرة إلا أنني بدأت أشك أن هذا لا يحدث مصادفة بل هو، كما يبدو، نظام مصمم لتشكيل ما يراد لنا أن نفكر فيه من جهات يهمها أن تسود أفكار أو نظريات معينة، وما يراد لنا أن نستهلكه لدرجة تحويل رغباتنا وتوجهاتنا نحو مسالك أخرى.
وقد تحمل رؤيتي هذه شيئا من مبالغة أو سوء ظن لكنني وجدت نفسي مقتنعا بها لحد كبير.
وهكذا، ومع مرور الوقت، بدأت تظهر على صفحتي حساباتٌ لم تظهر أمامي من قبل كما لو أنها مصممة للفت انتباهي شخصيا الى مسائل أو موضوعات معينة لا ترد في خاطري إلا لماما، ويصل الأمر أحيانا أن مثل هذه المحتويات تظهر بشكل مفرط، وبمجرد ما أفتح صفحتي صباحا تقفز أمامي.
(الفيسبوك) ليس وحده في هذا التقييم الذي ربما يرى فيه البعض ضربا من المبالغة، هناك أيضا وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى التي تحولت، مع الزمن، إلى آلياتٌ تحمل النقائض معا، تواصل بريء، ادامة العلاقات الاجتماعية، إشاعة قيم التوادد والمحبة، الاطلاع على ما يجري هنا وهناك، واحة للأدب والفن والثقافات المختلفة، وأيضا، الى جانب ذلك، السيطرة على العقول، ونشر الكراهية والهوس والتحريض على العنف.
ينبغي هنا أن نفكر فيما يمكن أن يحدث لملايين الناس، من مراهقين وشباب وآخرين ممن يفتقرون إلى (الدفاعات) الفكرية، أولئك الذين قد ينساقون وراء ما تقدمه إليهم وسائل التواصل من دون أن يمكنهم الحكم على ما ذلك، خاصة وأن هناك دراسات تؤكد على أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الآن إحدى القنوات الرئيسية للتطرف، وإن ما يصل إلى 90 بالمئة ممن جنّدتهم داعش والقاعدة استهلكوا مواد متطرفة، علاوة على ذلك، تُعدّ وسائل التواصل الاجتماعي القناة المُستخدمة لبث الجرائم مباشرةً. كما ثبتت في حالات عديدة الصلة بين وسائل التواصل الاجتماعي انتحار الأطفال في أكثر من بلد بسبب التنمر الإلكتروني.
تلاعب نفسي
الى ذلك فان كل ذلك يثير أمامنا كيف تلعب هذه الوسائل دورها في صنعٌ التلاعب النفسي، وهو شكلٌ من أشكال غسيل الأدمغة.
يختبئ المستفيدون من هذه التجارة وراء حرياتٍ مزعومة، واليوم، نرى ملايين الشباب والبالغين عالقين في فقاعات الكراهية من قِبل مختبرات التحكم في العقول التي تعمل بجرأةٍ وحشية، بينما تتباهى بأنها تربط العالم لكن ما تفعله في الواقع هو تفتيته وتشويهه وإصابته بالقرف. إنه نموذج آلية ضخمة تعمل دون أي رقابة، يدعمها جيشٌ من علماء النفس وفرق الهندسة وعلماء البيانات الذين يصممون ويضبطون نماذج التوصيات وتصنيف المحتوى وفقًا لأهواء رؤسائهم الذين لهم الكلمة الأولى والأخيرة فيما يعمل هؤلاء المدراء التنفيذيون على برمجة عقول الناس بشكل سلبي لجعلهم مدمنين، يتحكمون بما يسميه العلماء (الناقل العصبي) الذي يصل إلى الدماغ، ويعمل على تنظيم لغة الجسد، ويكشف ما تضمه الذاكرة من تداعيات أمام المتلقين أمثالنا، وبمرور الزمن نفتقد القدرة على التمييز بين ما يناسبنا وما قد يسبب الضرر لنا، وتجعلنا لا نكترث بالعواقب التي تنتج عن تلك العمليات، بل وربما نتفاعل معها على نحو خطير.
ومن هذا المنطلق تُعدّ وسائل التواصل الاجتماعي الآلية الأكثر نجاحًا في التأثير والسيطرة الاجتماعية في التاريخ الحديث، وقد أضاف إليها «الذكاء الاصطناعي» قدرات وامكانيات ليس لها حدود، وهذا ما يمكن أن يشكل حافزا لنا لإيقاظ الذهن على ما يحيط بنا.