الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تستعذب المرأة وجع الحب

بواسطة azzaman

حين تستعذب المرأة وجع الحب

هدير الجبوري

 

بعض المشاعر تظل كامنة في أعماق الروح، مشاعر تولد في صمت،  وتكبر بعيداً عن الضوء حتى تتحول إلى عالم كامل تعيشه امرأة وحدها.

 امرأة أحبّت كثيراً، لكنها لم تملك يوماً شجاعة البوح، أو ربما لم تملك حقه.

وحين يبقى الحب سراً طويلاً، يصبح صاحبه أسيراً له ، يتألم بصمت، يفرح بصمت، ويخوض معارك كاملة داخل قلبه دون أن يعلم بها أحد،،  ومع الوقت، لا يعود الجرح مجرد أثر للحب، بل يصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، حتى يصل الأمر إلى حدٍّ تستعذب فيه المرأة ألمها، لأنه الشيء الوحيد الذي يربطها بمن أحبّت.

ليست كل قصص الحب تبدأ باعتراف، ولا كل القلوب تملك شجاعة البوح.

هناك قلوب اختارت الصمت لأنها خافت أن تخسر حتى ذلك القرب البعيد، وخشيت أن ينكشف السر فيتبدد كل شيء،،  فآثرت أن تحمل حبها وحدها، وأن تمشي به كحمل ثقيل لا يراه أحد.

وما أقسى أن تحب امرأة رجلاً لا يدري أنه أصبح محور تفاصيلها الصغيرة، وأنه يسكن في كلماتها المؤجلة، وفي دعواتها الصامتة، وفي فرحها وحزنها.

 وما أقسى أن ترى منه ما يؤلمها، بينما هو لا يعرف أصلاً أنه يجرحها،، فالجرح هنا ليس ظلماً مقصوداً، بل ظلماً أشد قسوة لأنه يحدث في غفلة من صاحبه.

كلمة عابرة منه قد تهدم يوماً كاملاً من توازنها، تجاهل صغير قد يفتح في روحها أبواباً من الأسئلة، واهتمام يمنحه لغيرها قد يوقظ في قلبها شعوراً بالعجز والخذلان.

ومع مرور الوقت يحدث الأمر الأكثر غرابة والأكثر إيلاماً؛ تبدأ المرأة باستعذاب هذا الألم ليس لأنها تحب العذاب، بل لأنها لم تعد تملك شيئاً  سوى ذلك الوجع.

 يصبح الحزن دليلاً على وجوده في قلبها، ويغدو الانتظار طقساً يومياً يمنح أيامها معنى، حتى وإن كان معنى مؤلماً.

فتتشبث بفتات الكلمات، وتعيد قراءة المواقف البسيطة عشرات المرات، وتبحث عن إشارات قد لا تكون موجودة أصلاً.

تتألم، ثم تعود لتبرر،،  تُجرح، ثم تبحث له عن الأعذار،، تُهمل، ثم تقنع نفسها بأنه مشغول أو مثقل بهمومه،،  وكأنها تحاول حماية صورته في قلبها أكثر مما تحاول حماية قلبها منه.

إن الجرح الذي يصيب المرأة في هذه الحالة لا يطعن قلبها فقط، بل يجرح أنوثتها أيضاً.

 تشعر أنها غير مرئية، وأن كل ما تحمله من مشاعر وحنان ولهفة لا يصل .

 تتساءل بصمت: كيف يمكن لكل هذا الحب أن يمر دون أن يلحظه أحد؟ كيف يمكن لقلب ممتلئ بكل هذه العاطفة أن يبقى مجهولاً إلى هذا الحد؟

وربما لهذا السبب امتلأ العالم بقصص الحب الصامتة.

كم امرأة أخفت حبها خلف ابتسامة عادية؟ وكم رسالة كُتبت ثم حُذفت؟ وكم اعتراف مات قبل أن يولد؟ وكم قلب عاش عمره كله وهو يخفي اسم شخص واحد بين ضلوعه؟

إن أكثر قصص الحب إيلاماً ليست تلك التي انتهت بالفراق، بل تلك التي لم تبدأ أصلاً.

 تلك التي بقيت حبيسة الصدور، لا يجرؤ أصحابها على إطلاقها خوفاً من انكسار الصورة، أو خسارة المكانة، أو افتضاح السر أمام الشخص المقصود.

ويبقى الحب الصامت واحداً من أكثر المشاعر نبلاً وقسوة في آن واحد،، نبيلاً لأنه يمنح دون شروط، وقاسياً لأنه يحترق في الداخل دون أن يجد منفذاً للنور.

وفي النهاية، لا تخاف المرأة من أن يُرفض حبها بقدر ما تخاف أن يُكتشف.

 لذلك تظل تخبئه في أعماقها، وتواصل الحياة كأن شيئاً لم يكن، بينما في داخلها حكاية كاملة لم تُروَ، ورسالة طويلة لم تُرسل، وقلب ما زال يتعلم كل يوم كيف يبتسم فوق جرحه العميق.

 

 


مشاهدات 75
الكاتب هدير الجبوري
أضيف 2026/07/03 - 10:46 PM
آخر تحديث 2026/07/04 - 1:02 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 643 الشهر 3814 الكلي 15908941
الوقت الآن
السبت 2026/7/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير