الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شرعية الإقتراع وفجوة الفاعلية السياسية

بواسطة azzaman

شرعية الإقتراع وفجوة الفاعلية السياسية

شيلان فتحي شريف

 

لم تعد الإشكالية في التجربة الديمقراطية العراقية تتمثل في غياب الانتخابات أو انتظامها، بل في اتساع الفجوة بين نتائج الاقتراع وبين مخرجات الحكم الفعلية. فبعد أكثر من عقدين على التحول السياسي عام 2003، بات جزء واسع من الرأي العام ينظر إلى العملية الانتخابية بوصفها آلية إجرائية لا تضمن بالضرورة ترجمة دقيقة للإرادة الشعبية في تشكيل السلطة التنفيذية أو توجيه السياسات العامة لبلد عانى لعقود من الحروب الداخلية والخارجية و من الدكتاتورية و غياب التمثيل الشعبي في ادنى صوره.

تُظهر التجربة العراقية أن اللحظة الانتخابية لم تعد وحدها الحاسمة في إنتاج السلطة، إذ تتقدم عليها مرحلة ما بعد الاقتراع التي تتشكل فيها الحكومات عبر تفاهمات سياسية وتحالفات داخل البرلمان. وقد برز ذلك في أكثر من محطة انتخابية؛ ففي انتخابات عام 2010، ورغم تصدر القائمة العراقية برئاسة الدكتور إياد علاوي النتائج، انتهت عملية تشكيل الحكومة إلى استمرار السيد نوري المالكي في رئاسة الوزراء نتيجة توافقات سياسية أعادت توزيع موازين القوة داخل البرلمان. وفي انتخابات عام 2021، ورغم تصدر التيار الصدري النتائج، فإن الانسداد السياسي وإعادة تموضع القوى انتهى إلى تشكيل حكومة محمد شياع السوداني عام 2022 عبر توافقات بين قوى سياسية مختلفة.هذه الوقائع لا تُناقش من زاوية قانونية، بل من زاوية تتعلق بإدراك المواطن للعلاقة بين صوته الانتخابي وبين السلطة التي تُمارس باسمه. فكلما اتسعت المسافة بين التوقعات التي تُبنى خلال الانتخابات وبين المخرجات الفعلية بعدها، تراجعت الثقة العامة للجمهور بالعملية السياسية، حتى وإن استمرت من حيث الشكل والإجراءات.وتتفاقم هذه الإشكالية مع استمرار تأثير المال السياسي، وضعف الشفافية في تمويل الحملات الانتخابية، وتداخل النفوذ الحزبي مع مؤسسات الدولة وطيف من التدخل الإقليمي في المرحلة الانتقالية نحو توطين السيادة الوطنية.  بما يحد من تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين. كما أن محدودية الاستجابة الحكومية للتحديات الخدمية والاقتصادية، خصوصًا في مجالات الكهرباء والبطالة والبنية التحتية، أسهمت في تعميق الشعور العام بضعف الفاعلية المؤسسية للدولة، وانعكست على مستوى الثقة بالمؤسسات السياسية.

مقاربة مقارنة

تُظهر المقارنة مع الديمقراطيات الراسخة مثل بريطانيا وألمانيا أن الفارق لا يكمن في وجود التحالفات السياسية، بل في وضوح العلاقة بين نتائج الانتخابات وتشكيل السلطة. ففي بريطانيا، رغم الطبيعة البرلمانية للنظام، يؤدي فوز حزب بالأغلبية إلى تشكيل حكومة يقودها زعيم الحزب الفائز، ما يعزز إدراك الناخب بأن صوته ينعكس بصورة مباشرة على السلطة التنفيذية.

أما في ألمانيا، فإن الحكومات الائتلافية تُبنى على برامج انتخابية واضحة ومعلنة، بما يسمح للناخب بتوقع السيناريوهات الحكومية الممكنة قبل التصويت، ويقلل من حالة الغموض بعد الانتخابات. في المقابل، تتسم الحالة العراقية مع عدم حسم الهواجس السياسية و الاستحقاقات القومية والإثنية بين المكونات باتساع مساحة التفاوض بعد الانتخابات مقارنة بمرحلة التنافس الانتخابي، الأمر الذي يضعف وضوح العلاقة بين الناخب ومخرجات الحكم ذلك مع طول المفاوضات وتثاقل خطوات الحل السياسي.

استعادة الثقة

إن معالجة أزمة الثقة لا تتطلب تحسين الإجراءات الانتخابية فقط، بل إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الفاعلية والمساءلة. ويأتي في مقدمة ذلك تعزيز استقلال القضاء بوصفه الضامن الأعلى لحياد القواعد القانونية وحسم النزاعات السياسية، وتفعيل الدور الرقابي للبرلمان كمؤسسة مساءلة فعلية للسلطة التنفيذية، لا كامتداد لتوازنات سياسية.كما يقتضي الإصلاح ضبط التمويل السياسي والحد من تأثير المال غير المنضبط في العملية الانتخابية، إلى جانب الانتقال من منطق إدارة التوازنات السياسية إلى منطق إدارة السياسات العامة، بحيث تُقاس شرعية الحكومة بقدرتها على تقديم خدمات ملموسة في مجالات التنمية ومكافحة الفساد وتحسين الأداء العام.لا تعاني الديمقراطية العراقية من غياب الانتخابات وتداول السلطة نتيجة ذلك بل من ضعف قدرتها على إنتاج أثر سياسي واجتماعي واضح ينعكس على حياة المواطنين. وكلما اتسعت الفجوة بين الاقتراع ومخرجات الحكم، تراجعت الثقة العامة بمؤسسات الدولة، وهو ما يشكل التحدي الأهم أمام استقرار التجربة الديمقراطية واستدامتها.

اكاديمية و ناشطة سياسية

 


مشاهدات 74
الكاتب شيلان فتحي شريف
أضيف 2026/06/07 - 3:41 PM
آخر تحديث 2026/06/08 - 4:02 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 740 الشهر 7474 الكلي 15882955
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير