الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التوافق السياسي في العراق: من أداة لحلّ الأزمات إلى سبب لتعطيل الحكم

بواسطة azzaman

التوافق السياسي في العراق: من أداة لحلّ الأزمات إلى سبب لتعطيل الحكم

محمد علي الحيدري

 

حين يتحوّل “التوافق” من أداة لتسهيل العمل السياسي إلى شرطٍ مُسبق لإنتاجه، فإنه ينقلب تدريجياً من فضيلةٍ ديمقراطية إلى قيدٍ يُعطّل النظام السياسي نفسه. فبدلاً من أن يكون مساحةً لبناء القرار عبر التفاهم، يصبح معياراً لشرعية القرار ذاته، بحيث لا يُولد أيّ استحقاق إلا إذا نال رضا الجميع، أو ما يشبه الإجماع الكامل، وهو أمرٌ يكاد يكون مستحيلاً في الأنظمة التعددية.

في الحالة العراقية، وامتداداً إلى إقليم كردستان، تبدو معادلة التوافق وقد تحوّلت إلى ما يشبه “الفيتو غير المعلن”، الذي يملك القدرة على تعطيل تشكيل الحكومات، وتسمية الرؤساء، وحتى تمرير الاستحقاقات الدستورية الأساسية. فغياب الحكومة في الإقليم لفترات طويلة لم يعد مجرد تأخير إداري، بل أصبح مؤشراً على خللٍ في آلية إنتاج السلطة نفسها، حيث لا تكفي صناديق الاقتراع وحدها، ولا يكفي النص الدستوري، ما لم يُستكمل بشبكة معقدة من التفاهمات السياسية المسبقة.

وفي بغداد، لا تبدو الصورة مختلفة كثيراً. فتعطّل تسمية رئيس للوزراء داخل الأطر السياسية، أو التباين حول مرشح رئاسة الجمهورية، يكشف أن منطق “التوافق الشامل” بات أقرب إلى شرط تعطيل منه إلى شرط إنتاج. وعندما يُكسر هذا التوافق عبر التصويت أو الغلبة العددية، تظهر ردود فعل سياسية غاضبة، تعيد إنتاج الأزمة بدلاً من تجاوزها، وكأن الديمقراطية مقبولة فقط حين لا تُنتج مفاجآت.

السؤال الأعمق هنا ليس عن الأشخاص أو الأسماء، بل عن طبيعة النظام السياسي نفسه: هل يمكن لدولة أو إقليم أن يستمر إذا بقي التوافق شرطاً فوق مؤسسات الدولة ودستورها؟ أم أن التوافق، حين يُطلق بلا حدود، يتحول إلى نظام “فيتو متبادل” يُفرغ المؤسسات من قدرتها على الحسم؟

إذا استمرت الأطراف السياسية على مواقفها الحالية دون مراجعة، فإن السيناريو الأقرب ليس مجرد تأخير في تشكيل حكومة أو تسمية مسؤول، بل حالة من الجمود البنيوي: حكومات مؤقتة تتحول إلى واقع دائم بلا شرعية سياسية فاعلة، ومؤسسات تعمل بالحد الأدنى، وملفات الدولة معلّقة بين اعتراضات متبادلة لا تنتهي.

في هذه الحالة، لن يكون السؤال: من يحكم؟ بل: هل ما زالت هناك آلية حقيقية للحكم أصلاً؟ وهل يمكن لمؤسسات منتخبة أن تبقى رهينة مزاج التوافق، حتى لو عطّل هذا التوافق جوهر العملية الديمقراطية نفسها؟

إن الخروج من هذا المسار لا يعني إلغاء التوافق، بل إعادة تعريفه: من شرطٍ مُسبقٍ للقرار إلى مساحةٍ لاحقةٍ لتثبيته وضمان استقراره، لا لعرقلته. وإلا فإن استمرار الوضع الحالي يعني ببساطة أن الجميع يملك القدرة على منع القرار، لكن لا أحد يملك القدرة الكاملة على إنتاجه.


مشاهدات 285
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/04/13 - 2:40 PM
آخر تحديث 2026/04/14 - 8:26 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 729 الشهر 11831 الكلي 15229904
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/4/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير