الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تفسير الأحلام والجنس والعدوان


حوار مع فرويد ( الحلقة الثانية)

تفسير الأحلام والجنس والعدوان

 قاسم حسين صالح

 

 + لنطرق باب الأحلام الذي فتحته عام 1900 بأضخم مؤلف عنها في كتابك (تفسير الأحلام ) الذي توصلت فيه الى نظرية خلاصتها أنها ( الأحلام ) عملية يقوم بها اللاشعور لاشباع ما بداخله من دوافع مكبوتة ...

فرويد :
صحيح ،لكن مضافا الى كونها تحقيق( مقنّع ) لرغبة ( مكبوتة ) فانها - كأي عرض عصابي ـ محاولة توفيق بين مطالب دافع مكبوت وبين مقاومة تبذلها الرقابة في الذات . وبعبارة سهلة :اللاشعور يحاول ان يشبع في الاحلام الحاجات التي لا يمكن التعبير عنها او اشباعها في حالة اليقظة .

+ هنا لديّ اشكاليتان ، الأولى تأكيد جنابك ان الاحلام تتضمن ذكريات من مرحلة الرضاعة وخبرات الطفولة المبكرة لاسيما الاحداث المرتبطة بالوالدين ،وأن مضمونها جنسي خالص..فكيف اهتديت الى حكم قاطع يبدو لكثيرين ليس فيه منطق ؟.
فرويد :
دعني اقولها بالصريح : ما من غريزة لقيت منذ الطفولة مثل الكبت الذي لقيته الغريزة الجنسية .وما من غريزة مثلها خلّفت وراءها رغبات على هذا المدار من الكثرة والقوة تعمل على احداث الحلم في حالة النوم . ولأنني أعدّ الاحلام افعالا نفسية لها من المعنى مثل ما لغيرها ، وأن النزعة المكبوتة تسعى الى الاشباع حين لا تكون عليها رقابة ، فأنني علي يقين بأن معظم أحلام الراشدين ، ولم أقل كلها، تتضمن خبرات تعود الى الطفولة ولها علاقة بالجنس ،وأنها تبدو واضحة لمثلي لدى الاشخاص المحرومين جنسيا . واؤكد لقرائك بأنه كلما زاد المرء اشتغالا بحلّ مشكلة الأحلام زاد استعداده للتسليم بأن غالبية احلام الراشدين تعالج مادة جنسية وتعبّر عن رغبات عشقية .
+ الاشكالية الثانية قولك ان للحلم معنى ظاهري سطحي وظيفته تشويه او اخفاء المعنى الحقيقي للحلم ، ومعنى خفي تكمن فيه حقيقة الحلم ..

 

فرويد : صح ولا اشكال في ذلك

+ الاشكالية في التفسير ياسيدي، فالشخص الذي يرى في حلمه افعى وربطة عنق ، وآخر يرى في حلمه ملكا او رئيسا ، فانك تنظر الى هذه الرموز بوصفها المعنى الظاهري ، اما معناها الحقيقي – على ما ترى جنابك – فان الأفعى وربطة العنق يرمزان الى الأعضاء التناسلية الذكرية ، فيما يرمز الملك او الرئيس الى الأب او المعالج النفسي ، الا ترى في ذلك تأويلا تريده ينسجم مع نظريتك ؟
فرويد :
  ان الرغبة المكبوتة أشبه بمجرم أودع في السجن ، ولأنه محرّم عليها أن تظهر نفسها للناس فقد دفع بها " الأنا " الى مخزن اللاشعور . وعندما ينام الرقيب ، او الحارس الذي يقف على باب اللاشعور فان الفرصة تتاح للرغبة المكبوتة ان تظهر على مستوى الشعور في حالة ينطبق عليها مثل لديكم يقول : ( اذا غاب القط ألعب يافار ) . ولكي لا توقظ سجّانها ( الأنا ) فان عليها أن تتخفى بالظهور لتظل تسرح في الحلم وتمرح على سطح الوعي وتشبع حاجتها ولو في الخيال ، ولهذا أكرر القول بأن الأحلام اشباع لرغبات مكبوتة .
 + أفهم من ذلك أنني اذا قلت لمراجع يأتيني: قل لي أحلامك أقول لك من أنت ، صحيحة وفقا لنظريتك .

فرويد :
الى حد كبير ، شرط ان تكون ماهرا في التحليل النفسي وقادرا على استجلاء المعنى الخفي للأحلام.

+ قبل ان نتقدم خطوة اخرى ، نستخلص من حديثك بان نظريات المقاومة والكبت واللاشعور ، وقيمة الحياة الجنسية في تعليل المرض ، واهمية الخبرات في مرحلة الطفولة ، هي العناصر الاساسية التي يتكون منها بناء التحليل النفسي .
 فرويد:
صحيح تماما" ، مع ملاحظة أن المعالج النفسي يشبه في عمله التحرّي 
detective الذكي الذي يجد دليلا صغيرا يبدو للآخرين تافها لكنه بمهارته يوصله الى الحقيقة ، ومهارة المعالج النفسي تكمن في قدرته على استعمال وسائل التحليل النفسي المتمثلة بالتداعي الحر وتحليل كل من الاحلام والازاحة ، أعني بالازاحة نقل او ترحيل الانفعال من موضوعه الاصلي الى موضوع آخر كأن يكون المريض يكره اباه فيحوّل كرهه الى المعالج النفسي ، او تحب أباها فتتعلق عاطفيا بمعالجها النفسي ، وأعني بالمقاومة الاستراتيجيات اللاشعورية التي يستخدمها المريض لمنع المعالج النفسي من فهم مشكلته او عقدته النفسية .

+ تقول في كتابك ( الجنس ) ما نصه :
يظهر لي ان النمو الحالي للجنس البشري لا يحتاج الى اي تفسير يغاير ما ينطبق على الحيوان . فان ما يظهر في اقلية من الافراد كحافز قلق لمزيد من الكمال يمكن فهمه كنتيجة لغرائز فاشلة بني عليها اسمى ما في الثفافة البشرية من قيم . فما هو رأيك بالابداع الفني ؟
فرويد :
ان التسامي 
Sublimation هو العملية المؤدية مباشرة الى الابداع الفني . فحين يتعذر الاشباع الكامل للرغبات الجنسية في الحياة الواقعية يتحول مجرى الطاقة الى نشاطات اخرى هي عمليات الخلق والابداع الفني في حالة الفنانين . والتسامي يختلف عن كل الآليات او الحيل الدفاعية من حيث أنه عملية بنائية ، ولأن وظيفته تتعدى حدود حماية الأنا. ففي التسامي يجري تحويل دوافع غير مقبولة اجتماعيا وأخلاقيا الى أشياء أو موضوعات مفيدة للمجتمع . وعن طريقه يتم الحصول على اشباع من بدائل مفيدة اجتماعيا عندما يحال بين دوافع قسرية او غير مقبولة وبين اهدافها او موضوعاتها الفعلية . فالشخص الذي تتملكه دوافع عدوانية ضد الناس ، فهو بدلا من أن يوجهها فعلا ضدهم فأنه يحولّها الى عمل روائي ( رواية ، قصة) او عمل موسيقي او فيلم سينمائي او لوحة فنية ...وعليه فأنني افترضت بأن معظم أعمال فناني عصر النهضة ، لاسيما منحوتاتهم الجميلة لأجساد عارية من الرجال والنساء ، هي نتاج لتصعيد دوافعهم الجنسية . بل أنني أنظر الى الحضارة نفسها على أنها نتاج الآف السنين من التسامي .

+ لا ادري لماذا تستهويك أحكام كبيرة وقاطعة اترك أمرها لقرائك، ولكنني فهمت ـ تأسيسا" على وجهة نظرك ـ ان الفنان يبدو لجنابك كالعصابي أو مريض نفسيا.
فرويد :
نعم من حيث انسحابه من واقع لا يرضيه الى دنيا الخيال، لكنه يختلف عن العصابي بكونه يعرف كيف يقفل منه راجعا" ليجد مقاما" راسخا" في الواقع. ومنتجاته ، اعني الاعمال الفنية ، اشباع خيالي لرغبات لاشعورية شأنها شأن الاحلام ، وهي مثلها محاولات توفيقية تتفادى اي صراع مكشوف مع قوى الكبت . ولكنها تختلف عن منتجات الحلم النرجسية من حيث ان المقصود بها اثارة اهتمام الغير وان بوسعها ان تستثير وترضي فيهم بدورهم الرغبات اللاشعورية نفسها . وزيادة على ذلك فهي تستفيد من اللذة الحسية للجمال الشكلي بوصفها ( جائزة مغرية ) وان ما يفعله التحليل النفسي هو ان يأخذ العلاقات المتبادلة بين ما تأثر به الفنان في حياته وخبراته ومنتجاته، ويستخلص منها نفسيته وما يعتمل فيها من دوافع .

 

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقي                 

 


مشاهدات 183
الكاتب قاسم حسين صالح
أضيف 2026/03/24 - 3:33 PM
آخر تحديث 2026/03/25 - 10:13 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 788 الشهر 20856 الكلي 15212924
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير