حين تتناقض أهداف الحرب مع كلفتها.. كيف تفكر مراكز الدراسات في نهاية الصراع ؟
أسامة أبو شعير
منذ الضربة الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في 28 فبراير شباط 2026 لم يعد السؤال الأهم من أطلق أكثر أو من يملك اليد العليا في الميدان، بل سؤالاً أكثر هدوءاً وخطورة: أي نهاية يمكن تحمّل كلفتها؟ فالتصريحات الأميركية في الأيام الأخيرة بدت متأرجحة بين التلويح بالتصعيد والحديث عن نهاية قريبة، بينما يصرّ مسؤولون إسرائيليون على أن القتال لن يتوقف إلا حين ترى واشنطن وتل أبيب أن أهدافهما الاستراتيجية قد تحققت. هذا التباين لا يعكس اختلافاً في اللغة السياسية فقط، بل يكشف أزمة أعمق في تعريف ما يمكن تسويقه كنصر وما يمكن احتماله ككلفة.
وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز بوصفه المتغير الذي قد يعيد ترتيب السيناريوهات. فالتقارير الأخيرة تشير إلى اضطراب متزايد في حركة المرور عبر المضيق، وأن المخاطر الأمنية دفعت شركات الشحن والتأمين إلى إعادة حساباتها. كما تحدثت تقارير عن إجراءات عسكرية لمنع زرع ألغام بحرية قرب المضيق، فيما حذرت شركات الطاقة من أن استمرار التوتر قد تكون له عواقب خطيرة على أسواق النفط العالمية.
مخاطر دولية
هنا تبدأ مراكز الدراسات في التفكير بطريقة مختلفة عن الخطاب السياسي. فـ Brookings Institution تميل إلى قراءة الحرب من زاوية اتساع المخاطر الدولية والداخلية، وتحذر من المبالغة في الرهان على تغيير الأنظمة بالقوة. أما International Crisis Group فتحذر من حرب إقليمية ممتدة قد تفلت من الإدارة. وبين هذين المنهجين يتحول سؤال النهاية من سؤال عسكري إلى سؤال اقتصادي وسياسي: كيف يمكن احتواء الكلفة قبل أن تعيد تشكيل المنطقة؟
السيناريو الأول: وقف نار قسري يفتح باب تفاوض
يميل عدد من الباحثين في المدرسة الواقعية داخل بعض مراكز الدراسات الأميركية مثل Brookings Institution إلى اعتبار هذا السيناريو الأكثر عقلانية على المدى القصير. ففي هذا التصور قد تعلن واشنطن أن الضربات حققت أهدافاً محددة ثم تدفع نحو تهدئة أو تفاوض غير مباشر.
لكن هذا المسار يظل هشاً. فإيران قد تنظر إليه كهدنة مفروضة لا كسلام دائم، بينما قد ترى إسرائيل فيه نهاية ناقصة إذا لم ينهِ التهديد بعيد المدى. ومع ذلك يبقى هذا السيناريو الأقل خطراً على الاقتصاد العالمي لأنه يفترض بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أو قابلاً لإعادة التشغيل سريعاً.
السيناريو الوسيط: تصعيد محدود لإعادة الردع
هناك احتمال آخر يقع بين وقف النار وحرب الاستنزاف الطويلة، وهو ما يسميه بعض الخبراء “التصعيد المحدود المحسوب”. في هذا المسار قد تتبادل الأطراف ضربات محدودة تهدف إلى إعادة تثبيت قواعد الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
هذا السيناريو يظهر في تحليلات أمنية في الولايات المتحدة وأوروبا ترى أن بعض الحروب الحديثة تتحول إلى رسائل عسكرية متبادلة. غير أن خطورته تكمن في اعتماده على دقة الحسابات؛ فحادث واحد أو خطأ في التقدير قد يحول التصعيد المحدود إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
السيناريو الثاني: حرب استنزاف طويلة
تحذر تحليلات صادرة عن مؤسسات معنية بإدارة الأزمات مثل International Crisis Group من أن الحرب قد تنزلق إلى هذا المسار إذا لم يتحقق نصر سياسي واضح.
في هذه الحالة يتغير السؤال: ليس من ينتصر في المعركة، بل من يستطيع يتحمّل الكلفة لمدة أطول. وقد ارتفعت تكاليف التأمين البحري وتزايد تردد السفن في عبور المضيق، بينما اضطرت بعض الدول الخليجية إلى تحويل جزء من صادراتها عبر البحر الأحمر لتخفيف الضغط على طرق الشحن.
وهذا يعني أن حرب الاستنزاف لا تحتاج إلى إغلاق كامل للمضيق كي تصبح مكلفة عالمياً؛ فمجرد ارتفاع المخاطر يكفي لرفع أسعار الطاقة وتعطيل جزء من التجارة الدولية.
السيناريو الثالث : إضعاف الداخل الإيراني
يظهر هذا السيناريو في بعض النقاشات داخل الدوائر الأكثر تشدداً في واشنطن وتل أبيب، كما يرد في تحليلات صادرة عن مراكز بحث أمنية مثل Foundation for Defense of Democracies التي ترى أن الضغط العسكري قد يفتح نافذة لتغيير استراتيجي أوسع.
لكن هذا المسار لا يتعلق بالدولة فقط بل بالمجتمع أيضاً. فالضغوط الخارجية قد تدفع المجتمعات أحياناً إلى التماسك حول الدولة بدلاً من الانقسام. والسؤال ليس فقط هل يمكن أن يضعف النظام، بل أيضاً هل توجد بنية اجتماعية وسياسية قادرة على إدارة مرحلة انتقالية مستقرة إذا حدث تغير مفاجئ في السلطة.
مؤسسات بحثية
كما أن قرار إغلاق مضيق هرمز أو إبقائه مفتوحاً لا يتحدد فقط في ميزان القوة الخارجي، بل أيضاً في التوازنات داخل إيران نفسها بين تيارات ترى في التصعيد وسيلة للردع وأخرى تخشى أن يتحول المضيق إلى شرارة مواجهة لا يمكن السيطرة عليها.
السيناريو الرابع: توسع إقليمي وأزمة طاقة
تحذر مؤسسات بحثية أوروبية مثل Chatham House من هذا السيناريو بسبب تأثيراته المحتملة على الطاقة والتجارة العالمية.
يمر عبر مضيق هرمز نحو خمس تجارة النفط العالمية، وأي تعطيل طويل له قد يضغط سريعاً على آسيا وأوروبا والأسواق المالية. ولهذا بدأت بعض الحكومات البحث عن آليات لحماية الشحن البحري أو تخفيف المخاطر المرتبطة بالنقل في الخليج.
معيار التفريق الحقيقي
يمكن القول إن معيار التفريق الحقيقي بين السيناريوهات ليس حجم النار بل مصير مضيق هرمز. فكل سيناريو يُبقي المضيق مفتوحاً يظل أقل كلفة مهما ارتفعت خسائره السياسية، بينما يصبح السيناريو الذي يعطل الملاحة فيه الأكثر خطورة.
فهنا لا تُقاس الحرب بعدد الصواريخ فقط، بل بعدد الناقلات التي لا تعبر وبعدد العقود التي تُؤجَّل وبحجم النمو الذي يُفقد في اقتصادات بعيدة عن ساحة القتال.
استقرار الخليج كشرط للنهاية
تبقى دول الخليج من أكثر الأطراف حساسية تجاه مسار هذه الحرب. فاقتصادات المنطقة تعتمد على الاستقرار الجيوسياسي بقدر اعتمادها على تدفق الطاقة. وأي اضطراب طويل في مضيق هرمز لا يرفع فقط كلفة التأمين والشحن، بل يعيد المنطقة إلى حالة عدم يقين تشبه الأيام الأولى للحرب. ولهذا يصبح الهدف غير المعلن لكثير من دول الخليج ليس فقط وقف التصعيد، بل استعادة مستوى من الاستقرار يعيد الأسواق إلى ما يشبه مرحلة ما قبل الحرب.
الخاتمة
وفي الوقت نفسه لا تنظر كل دول العالم إلى هذه الحرب من زاوية التوازنات العسكرية أو أسواق الطاقة فقط. فدول في أفريقيا وجنوب آسيا وأميركا اللاتينية تراقب الصراع بقلق لأن ارتفاع أسعار الطاقة والشحن قد ينعكس سريعاً على أسعار الغذاء والتضخم في اقتصاداتها الهشة. والراجح أن النهاية الأقرب ليست نصراً حاسماً ولا انهياراً سريعاً، بل مزيج بين الاستنزاف والضغط نحو تهدئة ما. غير أن شكل تلك التهدئة سيتحدد بمدى قدرة الأطراف على منع هرمز من التحول إلى عنوان دائم للحرب. فحين تتناقض الأهداف مع الكلفة لا يعود السؤال من سيطلق آخر صاروخ، بل من سيقبل أولاً بأن فاتورة الحرب أصبحت أكبر من وعد النصر.