سؤال غير لائق محرج للوطن
حاتم جسام
في موقف مخجل مثير للاستغراب والأسف وقف مراسل إحدى القنوات العراقية بحضور وسائل الاعلام الدولية ليسأل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تعليقه على تصرف نواب عراقيين رددوا شعارات " الموت لأمريكا ، الموت لاسرائيل " خلال إنعقاد احدى جلسات مجلس النواب العراقي ،وكأن هذا المراسل كان يتوقع من ترامب - الذي يقود حالياً حرباً طاحنة بمشاركة الكيان الصهيوني ضد أيران وحلفائها- أن يدافع عن هؤلاء النواب أو يجد لهم عذراً!!! إلا ان الإجابة جاءت بعكس ما يشتهي المراسل حيث استغرب ترامب السؤال واعتبره "غير لائق".
والسؤال الذي يطرح نفسه، من صاحب الموقف الأكثر حرجاً ترامب الذي استغرب وردَّ بإن السؤال غير لائق ؟ أم المراسل الذي ظن أنه بصدد تحقيق سبق صحفي كبير؟ بينما كان في الحقيقة يقدم لترامب فرصة سهلة للنيل من هيبة المؤسسة التشريعية في بلده العراق؟
يرى مراقبون أن ما قام به المراسل مخالف لسياقات الممارسة المهنية للصحافة وما هو إلا إنحراف مكشوف وخرق للمسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام ،فالصحافة النزيهة والوطنية هي التي تبحث عن الحقيقة وتطرح السؤال بهدف المعرفة أو المساءلة لا بهدف تسجيل نقاط على حساب الوطن.
هل كان يتوقع المراسل أن يرد ترامب قائلاً: "هذا حقهم في التعبير"؟ قطعاً لا، إلا ان هذا النوع من الأسئلة يكشف عن سياسة تحريرية مريبة تبحث عن الإثارة وافتعال الازمات على حساب المصلحة الوطنية، فترديد شعار "الموت لأمريكا" من قبل أي نائب عراقي هو موقف سياسي يمكن نقده أو تحليله لا أن يتم تحويله إلى مادة لأزمة دبلوماسية تقدم على طبق من ذهب لخصوم العراق، وهذا هو جوهر الخطأ في حق الوطن والشعب العراقي.
للاسف يتحول الإعلام أحياناً إلى أداة لتعزيز الصور النمطية السلبية عن العراق بدلاً من أن يكون جسراً للتفاهم وبناء السمعة الدولية الجيدة، فقد تمنيت كثيراً لو أن المراسل شرح للرئيس والشعب الامريكي امام القنوات االعالمية تعقيدات المشهد السياسي العراقي الذي اوجدته الولايات المتحدة الامريكية والمشكلات والتحديات التي تواجهه بدلاً من اختصار الوطن وسيادته وهيبته في شعار سياسي ردده البعض تعبيراً عن رأيهم الذي كفله الدستور العراقي ليقدمه كسلعة مجانية لرئيس أمريكي.
إن السياسة التحريرية التي تقف وراء هذا السؤال تحتاج إلى مراجعة جذرية ومعرفة إذا ما كان هدفها خدمة المشاهد العراقي؟ أم إرضاء أجندات خارجية تبحث عن أي فرصة لتشويه صورة العراق؟ فعندما يذهب إعلامي عراقي لتأكيد صورة "العراق الفوضوي" في ذهن الغرب فإنه ينتهك اخلاقيات مهنته وسيادة وطنه في آن واحد، فهل سيعتذر المراسل أو القناة للشعب العراقي عن هذا الموقف المحرج للوطن؟ أم أن الضجة الإعلامية أهم من كرامة الوطن؟