الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة انطباعية في كتاب المسرح وقرينه تأليف أنطونان آرتو


بين صرخة الروح وجسد المسرح: قراءة في جحيم أنطونان آرتو

قراءة انطباعية في كتاب المسرح وقرينه تأليف أنطونان آرتو

ضرغام عبدالرحمن الجابري 

 

هل سبق لك أن شعرت بأن الكلمات التي ننطقها ليست سوى "توابيت" تسجن بداخلها أحاسيسنا الحقيقية؟

تخيل مسرحاً لا يأتيك ليُسليك، بل يأتيك ليُصيبك بالعدوى، تماماً كما يفعل الطاعون.

لا يريد منك "تصفيقاً" في النهاية، بل يريد "زلزالاً" في الداخل.

هكذا يبدأ أنطونان آرتو حكايته في كتابه (المسرح وقرينه)إنه لا يقدم كتاباً نقدياً، بل يرمي في وجوهنا دستوراً جديداً مكتوباً بالدم والأعصاب المشتعلة.

حين تفتح هذا الكتاب، أنت لا تقرأ حبراً على ورق، أنت تصغي لصرخة رجل قرر أن يحطم جدران المسرح البرجوازي الهادئ، ليخرج منه مسرح "القسوة" الذي يواجهنا بفظاعة الوجود وعنف الحياة قبل أن تروضنا اللغة.

نحن هنا أمام رجل لم يعش حياته بسلام، لذا لم يرد لمسرحه أن يكون مسالماً.

آرتو،في الفصل الأول، "المسرح والطاعون"، يطرح آرتو فكرة صادمة!! المسرح يجب أن يكون كـ"الوباء".

لماذا؟ لأن الطاعون يخرج أسوأ ما في البشر وأجمل ما فيهم، إنه يسقط الأقنعة، ويجعل الإنسان يواجه مصيره عارياً.

هكذا يرى آرتو "القسوة"؛ ليست هي الضرب أو الدماء الجسدية، بل هي "الصرامة المطلقة" في مواجهة الذات.

إنها قسوة الطبيب الذي يفتح الجرح ليطهره، لا ليعذبه.

بينما كان العالم في الثلاثينيات غارقاً في نصوص "أبسن" و"تشيخوف" والدراما النفسية التي تحلل المشاعر، جاء آرتو ليصرخ.. "كفى!". لقد سئم من "ديكتاتورية الكلمة". كان يرى أن المسرح الذي يعتمد على الحوار فقط هو مسرح ميت، مسرح للمكتبات لا للحياة. آرتو يريد "لغة الجسد"، يريد الصراخ، الإيماءة، الإضاءة التي تحرق العين، والموسيقى التي تهز العظام.

يريد آرتو أن يعود بالمسرح إلى جذوره الطقسية، إلى تلك اللحظة التي كان فيها الممثل "ساحراً" والمشاهد "مريداً" في معبد.

عن أي قسوة يتحدث هذا الرجل؟ إنها قسوة الوعي.

أن تدرك أنك لست مجرد موظف أو كائن اجتماعي، بل أنت كتلة من الرغبات والمخاوف والتمزقات الكونية.

في كتاب "المسرح وقرينه"، ينقلنا آرتو من باريس الباردة إلى بالي وإلى طقوس الهنود الحمر، باحثاً عن ذلك الرابط المقدس الذي فُقد في زحام الحداثة.

إنه يبحث عن مسرح "يؤلمنا" لكي يشفينا، مسرح لا يكتفي بالنظر إلينا من خلف "الجدار الرابع"، بل يكسرها ليجعلنا جزءاً من الطقس.

 

لغة الفضاء.. حين يتحدث الجسد لغة الأرواح

 

إذا كان آرتو قد أعلن ثورته على "النص"، فذلك لأنه أدرك أن المسرح الغربي قد تحول إلى "خادم مطيع" للأدب.

في كتابه (المسرح وقرينه)، يطرح سؤالاً يزلزل الأركان.. لماذا نحصر المسرح في الفم بينما يمتلك الجسد كله ألف لسان ولسان؟

هنا ندخل في صلب "لغة الفضاء".

آرتو لا يريد ممثلاً "يلقي" دوراً.

تخيل معي تلك اللحظة التي شاهد فيها آرتو رقصات "بالي" الشرقية.. لم يفهم لغتهم، لكنه فهم "اهتزازاتهم".

رأى كيف تتحول حركة الأصابع، وانحناءة الخصر، واتساع حدقة العين إلى رسائل كونية تتجاوز حدود القواميس.

بالنسبة لآرتو، المسرح هو المكان الذي يجب أن "تتجسد" فيه الأفكار قبل أن تُنطق.

إنها لغة تتكون من "الأصوات، الألوان، الإيماءات، والمواقف" التي تُشحن بطاقة سحرية قادرة على اختراق جلد المتفرج لتصل إلى وعيه الباطن.

"الصرخة".. ليست مجرد صوت، إنها انفجار الكيان.

 

عن قدسية "الصرخة" عند آرتو.

الصرخة عنده هي اللحظة التي يعجز فيها النطق عن احتواء الألم أو الوجد، فتنبثق من الأحشاء لتعلن عن وجود إنساني متمرد.

إنها "الموسيقى الميتافيزيقية" التي تهدم الجدار بين الممثل والجمهور.

آرتو يطالبنا بأن نعيد النظر في كل شيء.. في الإضاءة التي يجب أن "تنهش" الظلام، وفي الموسيقى التي يجب أن تكون "صدمات" لا ألحاناً عذبة.

 

المسرح عند آرتو هو "مختبر للتحول". إنه لا يريدنا أن نخرج من العرض المسرحي لنناقش جماليات الإخراج أو براعة الحوار، بل يريدنا أن نخرج "متغيرين"، كمن نجا من كارثة طبيعية أو من تجربة دينية عميقة.

إنها "القسوة" التي تجبرنا على رؤية "الشياطين" التي نسكنها وتسكننا، لا لكي تخيفنا، بل لكي تحررنا منها.

في "مسرح القسوة"، المخرج هو "سيد الطقس"

والممثل هو "ضحية مقدسة" تحترق على الخشبة لكي تمنح المتفرجين ضوء الحقيقة.

نحن هنا لا نشاهد "تمثيلاً" نحن نشاهد "فعلاً" حقيقياً، تمرداً على قوالب المجتمع، وعلى روتين الحياة الجاف الذي يقتل فينا "الدهشة".

 

انطفاء الجسد وخلود الصرخة.. هل انتصر آرتو؟

 

في ختام رحلتنا مع "المسرح وقرينه" نكتشف أن آرتو لم يكن يكتب "نظريات" ليناقشها الأكاديميون في غرفهم المكيفة، بل كان يكتب "وصية" رجل يحترق.

لقد دفع آرتو ثمن أفكاره غالياً.. قضى سنواته الأخيرة بين جدران المصحات النفسية، وتحت وطأة الصدمات الكهربائية التي حاولت "ترويض" عقله المتمرد، لكنها لم تستطع إخماد تلك الجمرة التي اشتعلت في روحه.

ما هو "القرين" الذي طارده آرتو؟

إن "القرين" ليس نسخة باهتة من الواقع، بل هو "الحقيقة العارية" التي يخشى المجتمع مواجهتها.

 

يقول آرتو: "إذا كان المسرح هو قرين الحياة، فإن الحياة هي قرين المسرح الحقيقي".

 

إنه يقلب الآية.. فالحياة التي نعيشها اليوم، بروتينها القاتل وزيفها الاجتماعي، هي المسرحية "المزيفة" بينما المسرح الذي يدعو إليه هو "الحياة الحقيقية" في أقصى درجات تكثيفها وحرارتها.

 

اليوم، ونحن نعيش في عالم تسيطر عليه الشاشات الباردة، وتتحول فيه المشاعر إلى "رموز تعبيرية" باهتة، تبدو صرخة آرتو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. نحن بحاجة إلى ذلك المسرح الذي يعيدنا إلى "أجسادنا"، إلى قدرتنا على الدهشة والألم والنشوة.

في شوارعنا وفي كل ركن من أركان بلادنا التي ذاقت "قسوة" القدر فعلياً لا تمثيلاً، ندرك أن آرتو لم يكن مجنوناً، بل كان "الوحيد الذي يرى" وسط عالم من العميان.

إن قيمة كتاب "المسرح وقرينه" تكمن في أنه لا يعطيك أجوبة، بل يتركك مثقلاً بالأسئلة.

إنه يستفز فيك ذلك "الإنسان البدئي" الذي لم تلوثه الحضارة بعد.

آرتو يخبرنا أن المسرح فعلُ تحرر، ومحاولة لاستعادة "السحر" في زمن المادة.

هو لا يريدنا أن "نفهم" بل يريدنا أن "نشعر" حتى النخاع.

 

الرماد الذي لا يبرد

 

رحل أنطونان آرتو وحيداً، فقيراً، ومنهكاً، لكنه ترك خلفه ناراً لا تنطفئ.

كل مخرج مسرحي جاد، وكل ممثل يبحث عن روحه على الخشبة، وكل كاتب يرفض القيود، هو ابن شرعي لآرتو.

لقد علّمنا أن الفن ليس "زينة" للحياة، بل هو ضرورة بيولوجية وروحية، تماماً كالهواء والماء.

 

يا أصدقائي طلاب الفنون عامة والمسرح بالخصوص

 

ربما انتهت هذه القراءة، لكن أثر آرتو يبدأ الآن.

 

فالمسرح الحقيقي لا ينتهي بسقوط الستار، بل يبدأ حين نخرج إلى الشارع ونحن نحمل في صدورنا "شرارة" من تلك القسوة المقدسة التي تحرضنا على أن نكون أكثر صدقاً، وأكثر إنسانية.

 

آرتو لم يمت.. إنه يسكن في كل "صرخة" حق، وفي كل "إيماءة" حب، وفي كل لحظة تمرد على القبح.

 

لقد كان "الطاعون" الذي طهرنا من زيفنا، وبقي


مشاهدات 54
الكاتب ضرغام عبدالرحمن الجابري 
أضيف 2026/03/17 - 1:50 PM
آخر تحديث 2026/03/18 - 1:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 116 الشهر 15035 الكلي 15007104
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير