الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
باحثون كرد يوثقّون دور أجدادهم بمعركة الشعيبة

بواسطة azzaman

حيث إمتزجت دماء العراقيين بمواجهة الإحتلال

باحثون كرد يوثقّون دور أجدادهم بمعركة الشعيبة

باسل خطيب

 

بعد أكثر من قرن، يعدو الكرد إلى البصرة، لا كمقاتلين، بل كفريق بحثي من منظمة التنمية المدنية (CDO)، لاستنطاق صمت صحراء الشعيبة وتوثيق لحظة تاريخية امتزجت فيها دماء أكثر من ألف متطوع من أجدادهم بقيادة الشيخ محمود الحفيد، مع دماء إخوتهم من العرب والتركمان، في ملحمة تلاحم وطني ضد الاحتلال البريطاني، بهدف ترميم «الذاكرة المنسية» ووضع البطولة الكردية في مكانها الطبيعي ضمن السردية الوطنية العراقية.

توثيق من قلب الميدان

وقال رئيس منظمة التنمية المدنية والمشرف على الرحلة، بختيار أحمد، إن زيارة الفريق «استهدفت الوقوف ميدانياً على النصب التذكاري البريطاني في بلدة الشعيبة بوصفه شاهداً مادياً على معركة شارك فيها الكرد إلى جانب بقية مكونات العراق»، مشيراً إلى أن مشاركة القائد الكردي الشيخ محمود الحفيد (البرزنجي) في تلك المعركة «تمنحها أهمية خاصة في الذاكرة الكردية باعتبارها جزءاً من تاريخ المقاومة المشتركة ضد الاحتلال».

وأضاف أحمد، أن الفريق «وثّق خلال الرحلة مجموعة من المواد البصرية والوثائقية شملت تسجيلات فيديو وصوراً وأدلة ميدانية»، مبيناً أنها «ستُدرج ضمن مقتنيات متحف الملك محمود الذي تعمل المنظمة على إنشائه في السليمانية منذ سنوات ومن المقرر افتتاحه منتصف العام 2026 الجاري».

قراءة أكاديمية للنصب والوثائق

من جانبه، قال عضو الفريق د. هردي مهدي، إن الزيارة التي استغرقت ثلاثة أيام، هدفت إلى «معاينة ميدان المعركة عن قرب وتوثيق النصب التذكاري لقتلى القوات البريطانية إلى جانب جمع الأدلة الصورية والأثرية والشفوية والجغرافية والإدارية المرتبطة بأحداث وقعت قبل 111 عاماً»، لافتاً إلى أن البريطانيين «اعتمدوا آنذاك آليات دقيقة لتسجيل قتلاهم عبر لجان مختصة بتوثيق القبور وتفاصيل المشاركين من الجيش البريطاني ودول الكومنولث وهو ما انعكس على النصب التذكاري في الشعيبة الذي يضم أسماء مجموعة من قتلى المعركة وقتلى سنوات الحرب العالمية الأولى وما بعدها (1914–1921)».

وأعرب مهدي، التدريسي في جامعة السليمانية، عن أسفه لـ «غياب إحصاءات دقيقة ومنظمة لدى العثمانيين والمتطوعين من العرب والكرد والأتراك برغم تداول روايات تاريخية تُقدّر مشاركة أكثر من ألف كردي في تلك المعركة»، مؤكداً أن البحث في هذه التفاصيل «ما يزال مفتوحاً حتى اليوم».

مواجهة الاحتلال

بدوره قال الباحث والتدريسي في جامعة السليمانية د. ياسين طه، الذي شارك في الرحلة، إن جيشاً من المتطوعين الكرد بقيادة الشيخ محمود الحفيد «توجه إلى منطقة الشعيبة بمشاركة عرب وتركمان قبل أكثر من 110 أعوام لمواجهة الاحتلال البريطاني»، معتبراً أن تلك المعركة «شكّلت نموذجاً لتلاحم مكونات المنطقة حيث امتزجت دماء الكرد والعرب في مواجهة قوة استعمارية واحدة وأنها تختزن ذاكرة مشتركة من الصراع والعمل المشترك بين شعوب الجوار».

الشعيبة: معركة وطنية دينية

وتتقاطع نتائج الرحلة الميدانية مع ما تذكره مصادر تاريخية معاصرة لمعركة الشعيبة، التي تكشف جانباً مهماً من حجم المشاركة الشعبية، لا سيما الكردية، في تلك المواجهة المصيرية.

فبعد إنزال القوات البحرية البريطانية في الفاو في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، واستشعار القيادة العثمانية في ولاية البصرة خطر الاحتلال، صدرت فتاوى بالجهاد من علماء السنة والشيعة في العراق، دعت إلى مقاومة القوات الغازية.

وبهذا الصدد قال أزي ازاد، مدير مركز كردستان للوثائق والدراسات، التابع لجامعة السليمانية، وعضو الفريق، إن جموع المتطوعين من المدن والعشائر العراقية «تدفقت على إثر تلك التعبئة والفتاوى وتراوحت أعدادهم بين عشرة إلى خمسة عشر ألف مقاتل كان من بينهم ما بين ألف إلى ألف وخمسمائة مقاتل كردي قدموا من مناطق مختلفة بقيادة الشيخ محمود الحفيد»، مشيراً إلى أن مجموعة من الشخصيات الدينية والعشائرية البارزة «شاركت في قيادة المجاهدين في إطار تعبئة وطنية دينية واسعة امتزج فيها البعدان السياسي بالديني».

إعادة قراءة التاريخ

إلى ذلك رأى كامران سبحان، من متحف الملك محمود، أن توثيق معركة الشعيبة ميدانياً «لا يهدف فقط إلى استعادة حدث عسكري بل إلى إعادة الاعتبار لذاكرة وطنية مشتركة شاركت فيها مكونات العراق المختلفة وفي مقدمتها الكرد في مقاومة الاستعمار»، مضيفاً أن الرحلة كانت «محاولة لردم فجوة التوثيق التاريخي والربط بين الشواهد المادية في موقع المعركة والروايات التاريخية المكتوبة بهدف إدخال هذه الصفحة المنسية إلى السردية الوطنية المعاصرة بعيداً عن التهميش أو الاختزال».

سير المعركة ونتائجها

يذكر أن معركة الشعيبة اندلعت بين 12 و14 نيسان/ أبريل 1915، عندما شنّت القوات العثمانية والمتطوعون هجوماً واسعاً على التحصينات البريطانية في منطقة الشعيبة غربي البصرة، في ظروف بيئية قاسية اتسمت بالأراضي الطينية والفيضانات. وبرغم التقهقر البريطاني في بعض محاور القتال، فإن انسحاب وحدات عثمانية من جبهة «صخريجة» أثّر في مجريات المعركة، ما أدى في النهاية إلى تراجع قوات المجاهدين.

وتُعتبر معركة الشعيبة آخر محاولة عثمانية جادة لمواجهة تهديد مدينة البصرة، إذ أسهمت نتائجها في تثبيت السيطرة البريطانية وفتح الطريق أمام الزحف نحو بغداد. كما غيّرت المعركة مواقف عدد من القبائل العربية، ومهّدت لاحقاً لاندلاع حركات تمرد في النجف وكربلاء. ويذكر المؤرخون أن القائد العثماني سليمان العسكري (1884- 14 نيسان 1915)، أنهى حياته في منطقة البرجسية، متأثراً بالهزيمة، في حدث جسّد قسوة تلك اللحظة التاريخية.


مشاهدات 48
الكاتب باسل خطيب
أضيف 2026/02/28 - 11:10 PM
آخر تحديث 2026/03/01 - 1:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 121 الشهر 121 الكلي 14954190
الوقت الآن
الأحد 2026/3/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير