الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أطفال بلا ذنب في زمن الأنانية

بواسطة azzaman

أطفال بلا ذنب في زمن الأنانية

ماهر نصرت

 

ليست الكارثة في الفقر وحده ولا في ضيق المعيشة ولا في قسوة الظروف بل الكارثة الحقيقية حين يصبح الطفل هو الثمن الذي يدفعه الكبار مقابل نزواتهم وعجزهم وهروبهم من المسؤولية .

استعداد نفسي

كم من اب تزوج بدافع اللحظة ثم انجب اطفالاً لم يستعد نفسياً ولا اخلاقياً لتحملهم ، وكم من أم رأت في الزواج مرحلة للمتعة العابرة وما ان تتعثر حتى تبحث عن بداية اخرى وكأن أطفالهم مثل الامتعة يمكن تركها في محطة الطريق .

يتفرق الزوجان وكل واحد منهما يفتش عن خلاصه الشخصي ... واحد يختبئ خلف سفر او سجن او طلاق غيابي ، واخرى تلوذ بزواج جديد تحت شعار ما زلت في ريع الشباب وما زالت الحياة امامي ، ويبقى الصغار وحدهم يدفعون فاتورة قرارات لم يشاركوا في صنعها  وجائوا الى الحياة رغماً عنهم بلا ذنبٍ أو جريرة ، الطفل لا يفهم معنى الطلاق ولا يعي تعقيدات النزاعات ولا يعرف لغة المحاكم ، هو يعرف فقط انه كان له بيت وكيان ثم صار في الشارع ، كان له حضنٍ دافىء ثم اختفى هذا الحضن فجأة وصار تائهاً في بيوت الاقارب  يرفضه هذا وذاك .

كان له اسم عائلة ثم صار اسماً عابراً في سجلات دور الايتام .

رأيت عن صفحات الفيس من الموصل طفل في الثامنة من عمره ، ذكي متكلم بلباقة وملامحه تحمل براءة لم تلوثها قسوة العالم بعد ، ابوه في السجن بقضايا ثقيلة ولا يعرف معنى ان ابوه في السجن اما امه فقد طلبت الطلاق الغيابي ثم تزوجت وسافرت ولم يعد لها اثر .

جدته العجوز حملته الى دار الايتام وهي تغالب دموعها وعجزها ، لم يكن لديها ما تطعمه ولا تمتلك  ما يحميه من برد الشتاء وقسوة الايام بعد أن رفضه اخواله واغلق اعمامه الابواب في وجهه .

صار الصغير يتنقل ككرة من يد الى يد حتى انتهى به الامر في مؤسسة دار الايتام التي لا تشبه البيت وعندما  همت جدته بالرحيل من الدار بدونه تعلق بثوبها وهو خائفاً يبكي وراح يقبل يدها .........

كان يتوسل ان تأخذه  معها ولو خادماً في بيت اخواله واعمامه .

طفل في الثامنة يعرض طفولته ثمنا ليبقى قرب من يعرفهم ، اي قلب يتحمل هذا المشهد ؟

واي ضمير يرضى ان يسمع كلمات كهذه من فم صغير لم يعرف من الدنيا سوى الضياع ؟

مرحلة عابرة

أن الابوة ايتها البشرية ليست لقباً اجتماعياً والأمومة  ليست مرحلة عابرة تنتهي بزواج جديد ، والانجاب قرار وجودي ثقيل ومن ينجب طفلاً عليه أن يلتزم امام الله والناس والتاريخ بحمايته ورعايته حتى يشتد عوده  ، أما الطفل فهو ليس تجربة عاطفية ولا رهانا فاشلاً يمكن الانسحاب منه في أي لحظة ، فحين ينهار الزواج لابد أن تبقى المسؤولية أمام الله والضمير  .

حتى لو تفرق الزوجان يجب أن يبقى الاولاد عقداً اخلاقياً لا يسقط بالتوقيع على ورقة .

الطلاق لا يبيح التخلي .. والفقر لا يبرر القسوة . .والسجن لا يلغي واجب البحث عن كفالة تحفظ كرامة الابن .. والزواج الثاني لا يمنح الحق في مسح الماضي كأنه لم يكن .

أم المجتمع فهو شريك في الجريمة  أيضاً حين يتفرج فقط على تراجيديا تلك الدراما المؤلمة  ، حين يرفض الخال ابن اخته ، وحين يطرد العم ابن اخيه ، حين تتحول صلة الرحم الى شعارات موسمية ، ويصبح الطفل عبئا عليهم لا شرفاً وافتخار  .

هنا لا نتحدث عن عجز مادي فقط بل عن فقر في الضمير ، فالاطفال الذين ينشأون بلا استقرار عاطفي يكبرون وفي داخلهم عقدة والم عميق .... قد يتحول الالم الى غضب وقد يتحول الحرمان الى انحراف ، ثم نتساءل ونحن نعرف السبب  ، لماذا امتلأت الشوارع بالعنف ولماذا تكاثرت المآسي .

الجواب يبدأ من بيت مكسور ومن حضن غائب ومن اب وام يحملون روح الانانية بعد أن فضلاً نفسيهما اولا وتركوا من خلفهم ارواحاً بريئة ضعيفة  معلقة لم تقوى على تدبير لقمة عيشها بعد .

نحن بحاجة الى ثقافة مسؤولية قبل ثقافة زواج .. الى وعي يقول ان انجاب طفل يعني انك مستعد للتضحية لا للهروب والفرار الجبان من المسؤلية .

يجب أن نفهم ان الحياة ليست لحظة شغف بل مشروع طويل عنوانه الالتزام وكل طفل يترك وحيداً هو سؤال موجه الى ضميرنا جميعاً  ، ليس ذنبه انه ولد في اسرة مشرذمة وليس ذنبه انه فتح عينيه على عالم يفتقد الى الرحمة ، ذنبه الوحيد انه وثق بالكبار .

فان لم نستطع ان نكون آباء حقيقيون فلنمتنع عن الانجاب ، وان لم نستطع ان نحافظ على بيوتنا فلنحافظ على اطفالنا رغماً على انوفنا فنحن الذين انجبناهم رغماً عنهم فلا شيء اقسى ولا ارهب  من ان يرى طفلٌ باباً يغلق في وجهه مرتين ، مرة من ابويه ومرة من المجتمع.

الاطفال امانة

ومن يفرط في الامانة لا يلوم الا نفسه حين يرى ثمرة التفريط تكبر امامه في صورة حزن لا يزول .

تباً للأنانية وللنفوس الجبانة الهاربة التي تعجز عن حضانة أطفالها الخارجة من  أصلابها  ...

 

 

 


مشاهدات 56
الكاتب ماهر نصرت
أضيف 2026/02/20 - 11:47 PM
آخر تحديث 2026/02/21 - 1:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 67 الشهر 15933 الكلي 14947576
الوقت الآن
السبت 2026/2/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير