الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رواية مستر ولا شي.. وهم الخلود الأدبي و تفكيك ثقافة الجوائز


رواية مستر ولا شي.. وهم الخلود الأدبي و تفكيك ثقافة الجوائز

بروا عبدالقادر

 

ماشدني  في   رواية «مستر ولاشي» للروائي الجزائري (واسيني الأعرج) هو اختياره الموفق لموضوع غير تقليدي كثيمة روائية، وهو موضوع الجوائز الأدبية ولاسيما (جائزة نوبل) بوصفه رمزاً ثقافياً،ولاحدثاً احتفالياً فحسب، وهي رواية تضع القارئ مباشر ة داخل سؤال ثقافي أعمق: من يمنح الاعتراف؟ ولماذا؟ وهل الخلود الأدبي قيمة جمالية أم هو إجراء إداري مؤجل؟ منذ الصفحات الأولى، لا يعرض واسيني الجائزة كتتويج، بل كرمز ثقافي كثيف، كسلطة ناعمة تُعيد إنتاج المركز والهامش، وتُلبس الوهم هيئة أمل مشروع.

إن اختيار موضوع الجوائز الأدبية،من قبل الكاتب  وقع لقصد  الدخول الواعي إلى قلب المؤسسة الثقافية العالمية. فالجائزة هنا لا تُقدَّم كحدث احتفالي، بل كآلية اعتراف، كميدالية ذهبية لا تلمع لأنها عادلة، بل لأنها مرئية. ومن خلال هذا المنظور، تعيد الرواية مساءلة فكرة الاستحقاق نفسها، وتفكك العلاقة الملتبسة بين القيمة الأدبية والشرعية المؤسسية، بين النص وما يُقال عنه، لا لما يقوله هو.

البطل(نوفل آل فريد)، الكاتب الذي في جعبته مائة وكتابا واحدا، لا يظهر بوصفه بطلاً مأساوياً خالصاً، ولا كضحية ساذجة، بل كنموذج إشكالي لمثقف يعيش على حافة الوهم. هناك تشابه بين اسمه واسم ألفريد نوبل يتحول من مصادفة لغوية إلى قدر متخيل، إلى علامة يتشبث بها الخيال أكثر مما يتشبث بها العقل. من هنا تبدأ أحداث الرواية في الاشتغال على الوهم لا بوصفه خطأ، بل كحاجة نفسية وثقافية، كتعويض عن شعور دفين بأن الكتابة وحدها لا تكفي، وتنتهي بخيبة شخصية (نوفل) والوعي المر بالواقع.

تعمل الرواية بذكاء علی نقد المؤسسات الأدبية والأدباء والنقاد والجوائز والشهرة وتسلط الضوء علی  الوهم الذي يصاب به الأدباء ، ولا تصف الرواية هذا الوهم، بل تتركه يُناقَش. الحوار بين الشخصيات (نوفل آل فريد ، سراب ، زها، شمسية...) هو العمود الفقري للسرد، لأن عالم الرواية ليس عالم أفعال بقدر ما هو عالم أفكار، عالم مؤسسات، عالم يُدار بالكلام لا بالمشاهد. الشخصيات لا تتحرك كثيراً في المكان، لكنها تتحرك باستمرار في الأسئلة: عن الخلود، عن الشهرة، عن الاعتراف، عن الفرق بين أن تُكتب النصوص وأن تُرى. لذلك تبدو لغة السخرية  في الرواية ليست أسلوباً فحسب، بل موقفاً نقدياً، وليست ضحكاً بل كشفاً لهشاشة السلطة  الثقافية، وسذاجة الإيمان المطلق بها.

 ان كشفت الرواية انهيار (نوفل) بعد عملية النصب ولا يأتي هذا الانهيار كمفاجأة سردية، بل بوصفه نتيجة منطقية لرحلة  انتظار طويلة. فالانتظار هنا ليس انتظار نتيجة، بل انتظار اعتراف، انتظار أن يقول “العالم” نعم. وحين تأتي الخيبة، لا تكشف فساد المؤسسة فقط، بل تكشف هشاشة الذات التي علّقت معناها على اعتراف خارجي. من هنا تتحول الخيبة إلى وعي مرّ، لا يحرر تماماً، لكنه يفضح.

الغلاف و العنوان كلاهما، يعملان  بوصفهما سرداً موازياً ومؤكداً علی العدمية والاغتراب. رجل أنيق بلا ملامح، جسد بلا وجه، يجلس على فوهة فراغ، فيما تحلق الميدالية فوقه.

ليست الصورة وصفاً لحالة فردية، بل استعارة لإنسان معاصر كامل المظهر، فارغ الجوهر، محاط بالرموز لا بالمعنى. ومفارقة “مِستر” و”ولا شيء” لا تُحلّ داخل الرواية، بل تُترك مفتوحة، كما تُترك الأسئلة الكبرى مفتوحة: هل الاعتراف يمنح القيمة؟ أم يكشف غيابها؟

إن الصور الفوتوغرافية، وخاصة صورة مارلين مونرو، وكذلك رسم النوتات الموسيقية داخل الرواية، لم يأت اعتباطاً أو من أجل زخرفة ثقافية، بل بوصفه آلية بديلة عن لغة أخرى، لغة ما بعد الخطاب المؤسسي. مارلين بوصفها أيقونة للخلود عبر الصورة، والموسيقى بوصفه تعبيراً خارج منطق السلطة، تشكلان معا محاولة للتخلص من لغة الجوائز، من لغة التقارير والبيانات والنتائج. هنا، يكتب واسيني ضد ثقافة الجوائز لا من خارجها، بل من داخل تفكيك بنيتها الرمزية.

أما الفصل «101 مفتاح الجنة»، فيكثّف هذا الوهم بأبلغ صورة: واحد بعد المائة، اكتمال زائف، كما الجائزة التي تُقدَّم بوصفها مفتاحاً للجنة الأدبية. المفارقة أن هذا المفتاح لا يفتح شيئاً، لأنه لا يقود إلى المعنى ،بل إلى صورة المعنى. هكذا تصبح الجائزة وعداً مؤجلاً، وعداً لا يتحقق لأنه قائم على نظام لا يعترف إلا بما يشبهه.

تتميز الرواية بأسلوبها الخاص لأن الراوي فيها لا يفرض رؤيته ولا يصف الأشياء والشخصيات ،ولايحدد، وإنما الحقائق والأوهام تناقش من خلال تفكير الشخصيات وحواراتهم، والأماكن فيها ثقافية أو ذهنية كمؤسسة (بيتنا)، لأن عالم الرواية لا يری ،بل يناقش، لهذا يفرض الحوار نفسه باعتباره أداة وحيدة مناسبة لعالم الرواية، وعبر بنيتها الحوارية والفكرية تقحم مسألة القومية والهويات المتشظية واللغة، بوصفها عناصر تفشل منطق الاعتراف المؤسسي، مما يجعل نيل الجائزة أمراً عسيراً، لا لفرط ضعف النص، بل لصدقه، كما تثير قضية الجوائز المحلية وجائزة نوبل ،والنصوص المناسباتية ،والوطنية والعالمية، وتمييزها بين اللحظة والزمن.

في النهاية، لا تقدّم الرواية إجابات جاهزة، ولا تتبنى خطاباً أخلاقياً مباشراً ضد الجوائز، بل تترك القارئ في منطقة قلق معرفي: ماذا يبقى من الأدب حين يتحول الاعتراف إلى سلطة؟ وماذا يبقى من الكاتب حين يكتشف أن الخلود لا تمنحه الميداليات بل الأسئلة التي لا تُغلق؟ في هذا المعنى، تبدو «مِستر ولا شيء» رواية عن الكتابة في زمن الزيف الرمزي، وعن مثقف يكتشف أن أخطر الأوهام ليس وهم الخسارة، بل وهم الاستحقاق.

 


مشاهدات 38
الكاتب بروا عبدالقادر
أضيف 2026/02/20 - 11:35 PM
آخر تحديث 2026/02/21 - 1:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 68 الشهر 15934 الكلي 14947577
الوقت الآن
السبت 2026/2/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير