جعفر الخليلي.. الصحافة أولاً
أحمد عبد المجيد
وانا اتصفح السيرة الذهبية لرائد القصة والموسوعي الراحل جعفر الخليلي، استوقفني من حياته المزدانة بالثقافة والعلم والتأليف الادبي، موقفان مهمان يتعين دراسة مغزاهما بعمق.
الاول انه ربما يكون العراقي الوحيد الذي يتخلى عن دوره معلماً ،بعد أن جرى تعيينه للمرة الاولى في مدرسة (الحلة) في النجف مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، ويكرس جهده للصحافة بعد اصداره جريدة (الفجر الصادق) ثم (الراعي) العام 1932 ، ثم مجلة (الهاتف) الاسبوعية الادبية عام 1935. وفي ظني ان الخليلي وجد في الصحافة، المدرسة الحقيقية التي تتوفر فيها مقومات التربية والتعليم وبناء الانسان، وهي وسيلة قادرة على اداء دور اجتماعي فكري وطني متكامل غير مرحلي. وبحسب اوسكار وايلد ((في امريكا يحكم الرئيس لاربع سنوات وتحكم الصحافة الى الابد)), وقد شجعه على هذا الاعتقاد تحول مجلة (الهاتف) الى ناد ثقافي فكري ترتاده النخب من داخل العراق وخارجه، ولذلك حرص الراحل على استمرار صدورها، مثلما حرص على دوام التواصل مع النخب المذكورة، لاداء مهماتها في العطاء والبناء والحفاظ على الوحدة الوطنية.ومن غير المستبعد ان الخليلي كان يؤمن بأن المدارس لوحدها غير قادرة على استقطاب ألوان من الاهتمامات والمشارب بحكم طبيعة المتطلبات والشروط المحددة في تعليمات وزارة المعارف انذاك، وسط شيوع الامية الابجدية وانصراف الجمهور عن الالتحاق بالمدارس والاكتفاء بالعمل لكسب الرزق وتأمين المعيشة.
وارى ان هذا الاعتقاد، الذي دفع الخليلي نحو صناعة الكلمة وصياغة اتجاهات الرأي العام عبر الصحافة، حفزه الى التمسك بمسؤوليته المهنية والاخلاقية في اطار أدواته التي اصدرها وتوالت في الصدور، برغم الاعباء المالية الباهظة التي يتطلبها عمل من هذا النوع، يرتقي الى مستوى مغامرة. ولعل الخليلي أوحى للاجيال من بعده، ان الصحافة تتطلب التفرغ التام لانها مهنة التأمل والمسؤولية.
وأما الموقف الثاني الدال على عمق ثقافته واتساع اطلاعه، فهو الاحتفاظ بمهارته في الانتاج الادبي ممثلاً بالقصة، مقروناً بحرصه على توسيع دائرة الاهتمام باصدارات الكتاب والمؤلفين البارزين الذين خاضوا في موضوعات، اما ان تكون مثار جدل أو تنطوي على فوائد يحتاج اليها الناس في فهم انحدارات شركاء الوطن والذين هم أما من اطياف دينية اخرى أو ألوان فكرية جديدة.
مادة دراسية
وأستحضر بهذا الشأن جهده المبدع في تلخيص كتاب المؤرخ المهندس احمد سوسة (العرب واليهود في التاريخ) ، الذي كلفته الحكومة في السبعينات بمهمة اعداده مادة دراسية لطلبة المتوسطة، كما استحضر كتابه الممتع (كنت قاضياً)، الذي شرح فيه مواد (الاحوال الشخصية العراقية من زواج وطلاق ومواريث واوقاف), وذلك شعوراً منه بأهمية وضع هذه المعارف القانونية والشرعية بين يدي جميع المواطنين. يقول افلاطون (المعرفة هي الفضيلة)، وربما قام الخليلي بهذه المبادرة لترجمة رؤية استباقية منه لما ستأوول اليه اوضاع الاسرة وحالات الزيجات، تحت ضغط التحولات الاجتماعية والفتوحات التقنية، التي اثبتت المعطيات المعاصرة تأثيرها الصارخ في القيم والمبادئ الاخلاقية والمجتمعية، وتمخض عنها تصاعد نسب الطلاق وتفاقم ظواهر الانفصال والتحلل. وقد تولى هذه المهمة ايماناً منه بان الصحافة الحرة تسعى الى اعادة الاخلاق الى مركز الفعل العام.
وربما لهذه الاسباب وغيرها، وجد الخليلي ان فضاء الصحافة والنشر يفتح أمامه اَفاق تقديم المساعدة والعون لشعبه وبلده اكثر من مهنة التعليم، التي اختارها وظيفة له في الماضي. وبحسب رموز الاعلام فان(الصحافة هي مراَة المجتمع وضمير الشعب وواجهة الدول). اقول ذلك وأعود الى مؤلفاته التي رافقت جهده في كتابة القصة، حيث تمكن الخليلي من تأصيل ولادة القصة في العراق عبر كتابه (مقدمة في تاريخ القصة)، وكذلك كتابه (القصة العراقية.. قديماً وحديثاً)، الذي اثبت فيه عراقة القصة على مستوى العالم. وكنت قد استمعت الى دراسات مهمة اشادت بجهده في هذا الجانب الابداعي خلال حضوري مهرجان (مئوية القصة النجفية) الذي نظمه اتحاد الادباء والكتاب فرع النجف قبل بضع سنوات، وكتابه (هوامش على الثورة العراقية) الذي تضمن حقائق لم يسبق نشرها عن ثورة العشرين، وكذلك موسوعاته الفريدة في العتبات المقدسة وفي الرموز الادبية وفي الجغرافيا وفي تلاقح اللغات الشعرية عبر كتابه (ما أخذ الشعر العربي من الفارسية والشعر الفارسي من العربية).
واكتفي بالاشارة الى ان معظم المهتمين والخبراء بشؤون الادب والثقافة والفكر وكتاب السيرة، اجمعوا على تميز الخليلي في الكتابة الصحفية والسرد وتصوير الشخصيات العظيمة والمتميزة في جميع المجالات، ما يدعونا الى توسيع الاهتمام بنتاج هذا المبدع وتكريمه، واسمحوا لي ان ادعو من هذا المنبر الى نقل رفاته الى مسقط رأسه (النجف الاشرف) التي كان أحد اعلامها المرموقين ذوي العطاء والهمة والاخلاص، وأحد ابرز صحفيي العراق الذين اتسعت رؤاهم فقدموا الرصين والراقي من المحتوى الصحفي، الذي سيظل الى قرون لاحقة حياً، مثلما يظل قلم الخليلي يخط بمداد النجف حروف النماء وسطور العطاء.