الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حسن عوينه.. نجم شيوعي يضيء عبوس الأيام

بواسطة azzaman

حسن عوينه.. نجم شيوعي يضيء عبوس الأيام

عبد الحسين شعبان

 

«سألته أمام بعض أعضاء قيادة الحرس القومي وفرع بغداد الذين كانوا يحققون معه: لماذا لا تعترف؟ إن هؤلاء سيلحقون بك الأذى وربما تُقتل، فقام عن الأرض التي كان يرقد عليها، وكان يرتدي ملابسه الداخلية فقط، وسحب لباسه الداخلي وأراني ظهره وقفاه الممزّقين، وخاطبني قائلًا: ماذا سيفعلون أكثر من هذا؟»، ذلك ما ذكره لي القيادي البعثي (وزير الخارجية حينها) طالب شبيب، وكنت قد قلّبت تلك المعلومات مع الصديق علي كريم سعيد مؤلف كتاب «من حوار المفاهيم إلى حوار الدم» بعد أن شرع بتسجيل أشرطة كاسيت لتدوين مذكراته.

أمّا د. تحسين معلّة فيقول: طلب منّي حمدي عبد المجيد (القيادي البعثي) الحضور إلى قصر النهاية بعد 4 أيام من اعتقال قيادة الحزب الشيوعي لمعالجة المرضى، فرأيت سلام عادل(اعتُقل يوم 19 شباط / فبراير 1963)  نائمًا وسط قاعة طاويًا نفسه على الأرض معصوب العينين ومدمّى؛ وحاولت أن أكلّم بعضهم بصفتي طبيب، لكني تجنّبت الحديث أو النظر إلى حسن عوينه «لأنه ابن صفّي في ثانوية النجف»، وأضاف د. معلّة في حديث معي في لندن: شعرت حينها بغصّة وألم شديد، وقرّرت عدم زيارة قصر النهاية بعد أسبوع من تكليفي بهذه المهمة.

حدث ذلك قبل 63 عامًا، وكنت حينها معتقلًا في مركز شرطة النجف المعروف باسم «خان الهنود»، وفي يوم 7 آذار / مارس 1963 أذاعت محطة بغداد خبرًا عن إعدام 3 شخصيات شيوعية قيادية هم سلام عادل (حسين أحمد الرضي) ومحمد حسين أبو العيس (عضو المكتب السياسي) وحسن عوينه (ضابط الارتباط بين لجنة التنظيم المركزي والمحافظات / الألوية العراقية)، وذُيّل الإعلان بختم الحاكم العسكري العام رشيد مصلح (أُعدم لاحقًا من قبل سلطة حزب البعث بعد العام 1968 لارتباطاته المشبوهة والمريبة)، ووقع خبر الإعدام علينا وقع الصاعقة، وانتابنا حزن عميق وألم شديد ووجوم عام، وكنت قد جئت على تفاصيل ذلك في كتابي «سلام عادل الدال والمدلول وما يمكث وما يزول»، دار ميزوباتاميا، بغداد، 2019.

قبل لقائي بحسن عوينه وتعرّفي عليه كنت أسمع الكثير عنه من خالي رؤوف شعبان، الذي درس معه في ثانوية النجف، وكثيرًا ما يروي نوادره وقفشاته، فقد كان أريحيًا ومنفتحًا وليس مثل بعض الحزبيين المتزمتين، وكانت النكتة حاضرة عنده، يلقيها في كلّ الظروف ويستخدمها في كلّ الأوقات، وقد قلّبت ذلك مع الرفيقين باقر إبراهيم الموسوي وصاحب جليل الحكيم، اللذان تحدثا عن سجاياه الشخصية، كخفة دمه وظرافته وعلاقته بالناس والترفّع عن الصغائر وسخريته من الجمود والروتين والنمطية والشكلية في العلاقات الحزبية، وهو ما يجمع عليه حسين سلطان وعزيز الحاج وثمينة ناجي يوسف (أرملة سلام عادل)، وكل من جاء على ذكره أو كان على معرفة به، ويضيف الصديق صاحب الحكيم أنه حتى خلال انحيازه إلى جانب مجموعة «راية الشغيلة» المنشقة من الحزب، فقد ظلّ متمسّكًا بالرفقة النضالية والرغبة في التفاهم من خلال الحوار.

لجنة مركزية

يقول باقر إبراهيم أن حسن عوينه كان مسؤوله من العام 1951 إلى انتفاضة تشرين الثاني / نوفمبر 1952، ثم صرت مسؤوله في أكثر من هيئة (في الفرات الأوسط وفي لجنة التنظيم المركزي)، وقد أخبرني أنه رشّحه ليكون عضوًا في اللجنة المركزية حين اتّجهت النيّة إلى توسيعها في العام 1962.

امتلك حسن عوينه مواهبًا قيادية وملكات صحفية وشعرية وخبرة تنظيمية ومُكنات في العمل السري، فضلًا عن صلابته، فقد اعتُقل لأول مرّة في العام 1949، ونُقل إلى الديوانية ليُقدّم إلى المحكمة العرفية، وقد أُطلق سراحه بكفالة لحين موعد المحاكمة، وصادف انعقاد اجتماع جماهيري فألقى قصيدة يقول في مطلعها:

أيحكم فينا من يبيع ضميره / ويسجد للدينار بالحمد والشكر

فأعيد اعتقاله مرّة أخرى. وفي العام 1953 اضطرّ إلى ترك دراسته وغادر إلى بغداد وعمل في دكّان لكيْ الملابس (مكوى) ليصبح الدكان محطّة حزبية في منطقة علاوي الحلّة بالقرب من محلّة الدوريين، حيث افتتح الطبيب فاروق برتو عيادة هناك. وفي المكوى اعتقل وعذّب في دائرة التحقيقات الجنائية، وحكمت عليه محكمة النعساني مدة سنتين (قضاهما في سجن الكوت) وفترة مراقبة ما بعد السجن. واعتُقل مرّة أخرى في بغداد العام 1955 وحُكم عليه مدّة سنتين ونصف السنة في سجن بعقوبة، ثم نُقل إلى بدرة بعد انتهاء محكوميته ليواصل فترة المراقبة، وقبل انقضائها اندلعت ثورة 14 تموز / يوليو 1958، فأُفرج عنه.

وفي العام 1959 صدرت صحيفة «صوت الفرات» بصورة علنية بعد أن كانت تصدر بصورة سريّة متقطّعة منذ العام 1954، وأصبح حسن عوينه رئيسًا لتحريرها، ولكنها أُغلقت في نفس العام، وفُصل عوينه من نقابة الصحفيين باعتباره «صحفيًا طارئًا»، وظلّ ينكّت على هذه الصفة، فيقدّم نفسه لمن لا يعرفه أو يعرفه باعتباره «صحفي طارئ»، وهو ما ذكّرني بعمود كتبه الصحافي شمران الياسري (أبو كاطع) بعنوان: «يوميات صحفي خردة».

كان حسن عوينه صاحب رأي، ويقول باقر إبراهيم «أبو خولة» أنه كتب رسالة إلى المكتب السياسي العام 1961 معترضًا على نشرة خاصة تصدر عنه وجد فيها مبالغة في التفاؤل الثوري غير المبرّر حول النهوض الجماهيري، وقد ردّ عليه المكتب السياسي الذي يقوده زكي خيري برسالة قاسية إلى الرفيق «شوقي»، وهذا اسمه الحزبي.

لم يندفع حسن عوينه بعد الثورة مثلما اندفع البعض، وكان ميّالًا للحوار والتفاهم والاعتدال، وقد استعدت بعد الذكريات القديمة عنه حين دعانا شقيقه مسلم عوينه، أحمد عبد المجيد (رئيس تحرير صحيفة الزمان) والعبد الفقير إلى الله، على الغداء في منزله العامر، وأتذكّر أن أول مرّة قابلته فيها كان يوم تنظيمه وإشرافه على موكب العزاء الخاص بشيوعييّ النجف الذي انطلق من ثانوية النجف (وكنت حينها طالبًا في متوسطة الخورنق)، وصادف ذلك ذكرى استشهاد الإمام الحسين، فكانت المجموعة الأولى تردّد:

يا أبا الثوار يا خير شهيد / قد سلكنا دربك الحر المجيد

فتجيب المجموعة الثانية:

فأطحنا بطغاة الحكم لم / يوهن العزم رصاص أو حديد

وعند وصول الموكب إلى الصحن الشريف مخترقًا الميدان والسوق الكبير، اعتلى حسن عوينة المنبر وألقى قصيدة.

خان الهنود

وفي العام 1959 أتذكّر الحادثة التالية في ميدان النجف بالقرب من مركز الشرطة (خان الهنود)، حيث تجمع بعض المتطرّفين، الحزبيين واللّاحزبين، للإجهاز على أحد القوميين واسمه مهدي محسن بحر (مهدي الخبازة)، وكادوا أن يضعوا الحبل حول عنقه ويسحلوه، وحين وصل الخبر إلى حسن عوينه، وكان موظفًا في مصرف الرافدين وقريبًا جدًا من مكان الحادث، أسرع ليعلن بأعلى صوته عن استهجانه لمثل هذا العمل وأمر الجميع باسم الحزب الكف عن ذلك، وخاطب الجمهور طالبًا منهم الانصراف، وكان قد سبقه محمد موسى (استشهد في العام 1963) وصاحب الحكيم الذي أصبح لاحقًا مسؤولًا عن محلية النجف 1960، لكن حضور عوينه كان حاسمًا، حيث تمكّن من انقاذ الرجل من موت محقق بسبب طغيان الصبيانية اليسارية وادّعاء امتلاك الحقيقة والأفضليات التي تعطي الحق لممارسة الإرهاب الفكري والبوليسي، بزعم أن من ليس معنا فهو ضدنا وضدّ الثورة. وبعد انفضاض الجماهير الغاضبة، اصطحب حسن عوينه المغدور من دكّان الحلّاق الذي أدخله فيه وأغلقه عليه ليتفادى سحله، وسار معه مع اثنين من المرافقين ليوصله إلى منزله في محلة الجديدة.

تزوّج حسن في العام 1960 من العلوية زهوري (زهراء جليل الحكيم)، وهي شيوعية وشقيقتها شيوعية كذلك، وأشقاؤها سلمان وناجي وصاحب الحكيم. أنجب ولدًا واحدًا اسماه فلاح، وكان عمره 3 سنوات حين استشهاده، وهو اليوم يحمل شهادة دكتوراه ويعيش في كندا.

 


مشاهدات 169
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/02/14 - 12:45 AM
آخر تحديث 2026/02/15 - 1:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 80 الشهر 11088 الكلي 13942732
الوقت الآن
الأحد 2026/2/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير