الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الترامبية .. ظاهرة عابرة أم مسار مضاد للتطور الحضاري؟

بواسطة azzaman

الترامبية .. ظاهرة عابرة أم مسار مضاد للتطور الحضاري؟

محمد عبد الجبار الشبوط

 

عند النظر إلى التاريخ البشري بوصفه مسارًا تراكميًا طويل الأمد، يتبين أن الحركة العامة للحضارة منذ عصر النهضة الأوروبية ثم عصر التنوير وحتى اليوم اتجهت، رغم الانتكاسات، نحو توسيع دائرة العقلانية، وترسيخ قيمة الإنسان، وتعميق فكرة الحقوق، وبناء الدولة الحديثة القائمة على القانون والمؤسسات، وهي كلها مرتكزات تصب في الاتجاه نفسه الذي تنتهي إليه فكرة الدولة الحضارية الحديثة بوصفها الصيغة الأرقى لتنظيم الاجتماع الإنساني على أساس الحرية والعدالة والمساواة والمسؤولية والتعاون والسلام. هذا المسار لم يكن خطًا مستقيمًا خاليًا من الانقطاعات، بل كان أقرب إلى موجات مدٍّ وجزر، تتقدم فيه البشرية ثم تتعثر، لكنها في المدى البعيد تميل إلى رفع مستوى الوعي والمؤسسية والقيم الكونية المشتركة.

في هذا الإطار التاريخي العريض، تظهر “الترامبية” لا باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لهذا التطور، بل بوصفها حركة ارتدادية تنتمي إلى منطق القلق الحضاري لا إلى منطق البناء الحضاري، فهي تستند إلى تعبئة الهوية القومية المنغلقة، وإثارة المخاوف من الآخر، والتشكيك في المؤسسات، والنزوع إلى شخصنة القرار السياسي، وتغليب الانفعال الجماهيري على التعقيد المؤسسي، وهذه السمات جميعًا تتعارض مع الاتجاه العام الذي سارت فيه الدولة الحديثة منذ قرون، حيث جرى نقل السلطة من الفرد إلى المؤسسة، ومن المزاج إلى القانون، ومن العصبية إلى المواطنة، ومن رد الفعل إلى التخطيط طويل الأمد.

اخضاع سياسي

إن جوهر التحول الحضاري منذ النهضة كان يقوم على فك الارتباط بين السلطة والحقيقة المطلقة، وإخضاع السياسة للنقد والمساءلة، وبناء توازنات بين السلطات، واحترام المعرفة العلمية، والاعتراف بتعدد المجتمع، بينما تميل الترامبية إلى تبسيط الواقع المركب في سرديات صدامية، وإضعاف الثقة بالخبرة العلمية والمؤسسات الوسيطة، وتقديم “الإرادة المباشرة” للجمهور بوصفها بديلًا عن الآليات الدستورية المعقدة، وهذا النمط من التفكير أقرب إلى ما قبل الحداثة السياسية منه إلى ما بعدها، وأقرب إلى الشعبوية الاحتجاجية منه إلى الرشد المؤسسي.

من منظور الدولة الحضارية الحديثة، يُقاس التقدم السياسي بقدرته على دمج الحرية بالنظام، والتعدد بالوحدة، والهوية بالانفتاح، والقوة بالمسؤولية، بينما تمثل الترامبية اختلالًا في هذا التوازن، إذ تميل إلى تغليب عنصر القوة والهوية الضيقة على حساب القيم الكونية والتعاون الدولي، وإلى تحويل الدولة من إطار تنظيمي جامع إلى أداة صراع داخلي وخارجي، وهو ما يضعها في موقع التوتر مع الفكرة الحضارية للدولة، لا في موقع التطور داخلها.

كما أن المسار الطويل للعلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية اتجه، رغم الصراعات، نحو بناء شبكات من القانون الدولي، والمؤسسات متعددة الأطراف، والاعتماد المتبادل اقتصاديًا وتقنيًا، بينما تقوم الترامبية على نزعة تقليل الالتزامات الدولية، والنظر إلى العلاقات الخارجية بمنطق الصفقات الآنية لا بمنطق البناء المؤسسي التراكمي، وهذا يعكس رؤية قصيرة المدى تتعارض مع الطبيعة البنيوية المتشابكة للعالم المعاصر، حيث لا يمكن لأي دولة كبرى أن تعيش في عزلة سياسية أو أخلاقية دون أن تدفع ثمنًا استراتيجيًا.لهذا كله يمكن القول إن الترامبية ليست حلقة جديدة في سلسلة تطور الحداثة السياسية، بل هي استجابة نفسية–سياسية لأزمة العولمة والتحول الاجتماعي السريع، أي إنها عرض من أعراض مرحلة انتقالية مضطربة، وليست اتجاهًا تاريخيًا طويل الأمد، فهي تعبّر عن توتر داخل المجتمعات الحديثة بين الخوف والحرية، وبين الهوية والكونية، وبين الماضي والمستقبل، لكنها لا تملك المقومات الفكرية والمؤسسية التي تجعلها نموذجًا مستقرًا قابلًا للتعميم عالميًا.

التاريخ يدل على أن الموجات الشعبوية والقومية المتشددة تظهر في فترات التحول العميق، لكنها إما أن تُمتص داخل النظام المؤسسي فتفقد حدّتها، أو تنكشف حدودها العملية فتتراجع، بينما يواصل المسار العام تقدمه نحو صيغ أكثر عقلانية وإنسانية لتنظيم الدولة والمجتمع، وفي هذا السياق تبدو الترامبية انحرافًا مؤقتًا داخل مسار حضاري أطول، لا قاطرة جديدة للتاريخ، ولا تعبيرًا عن نهاية عصر التنوير، بل علامة على صعوبة الانتقال من مرحلة حضارية إلى أخرى، حيث يشتد الصراع قبل أن يستقر شكل جديد أكثر نضجًا.وعليه فإن الاتجاه العميق للتاريخ لا يسير نحو الانغلاق والهويات الصدامية وشخصنة السلطة، بل نحو مزيد من المؤسسية، والوعي الحقوقي، والتشابك العالمي، وهي العناصر التي تشكل الأرضية الموضوعية لقيام الدولة الحضارية الحديثة، بينما تبقى الترامبية ظاهرة احتجاجية عالية الصوت، محدودة الأفق التاريخي، تعكس قلق اللحظة أكثر مما تعكس منطق المستقبل.

 

 

 


مشاهدات 68
الكاتب محمد عبد الجبار الشبوط
أضيف 2026/02/01 - 2:55 PM
آخر تحديث 2026/02/03 - 7:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 254 الشهر 1756 الكلي 13933400
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير