سياحة المؤتمرات في العراق.. إستحقاق متأخّر لا يحتمل التأجيل
منتصر صباح الحسناوي
سبق أن تناولتُ موضوع سياحة المؤتمرات في مقالٍ سابق، في وقتٍ كان هذا المفهوم لا يزال حديث العهد لدى كثيرٍ من المهتمين بهذا القطاع، ولاسيما في العراق.
يومها بدا الحديث عن المؤتمرات بوصفها صناعةً سياحيةً متكاملة تستوجب الشروع بها أقرب إلى فكرةٍ مستقبليةٍ مؤجّلة، في الوقت الذي استثمرت فيه عدداً من الدول الإقليمية باحتراف وهو ما جعله مساهماً فعلياً في الاقتصاد الوطني كموردٍ قائمٍ بذاته.
لم يقتصر الأمر على الكتابة، إذ جرى طرح هذا الموضوع عملياً، وبالتعاون مع عدد من الجهات، من خلال ندواتٍ وحواراتٍ حملت العنوان نفسه، أُقيمت في وزارة الثقافة والسياحة والآثار، والهيئة الوطنية للاستثمار، ومنتدى بحر العلوم، وجامعة النور في الموصل، بحضور عشرات الشخصيات بتنوّع انتماءاتها وخلفياتها.
في تلك اللقاءات حاولنا الابتعاد عن التنظير ليكون السؤال مباشراً : لماذا بقي هذا القطاع خارج التخطيط الجاد، رغم ما يمتلكه العراق من مقومات تؤهله ليكون جزءاً فاعلاً فيه ولا سيما الآن ؟
الواقع أن كثيراً من المسؤولين والمواطنين ايضاً، لا يزالون يجهلون ما المقصود «بسياحة المؤتمرات» ، أو يمرّ عليهم المصطلح دون أن تتضح دلالاته العملية.
سياحة المؤتمرات، ببساطة، هي استضافة المدن والدول لمؤتمرات علمية، واقتصادية، سياسية، وتقنية، وثقافية، وإعلامية، يشارك فيها مئات أو آلاف الأشخاص، يقيمون لعدة أيام، ويستخدمون الفنادق ووسائل النقل والمطاعم، ويتسوّقون، ويزورون المعالم الثقافية، ويتفاعلون مع المكان بوصفه تجربة متكاملة لا زيارة عابرة.
ظروف طارئة
بهذا المعنى، يتحوّل المؤتمر من فعالية مغلقة إلى نشاط سياحي منظم، عالي الإنفاق وأكثر استقراراً من أنماط سياحية أخرى ترتبط بالمواسم أو تتأثر سريعاً بالظروف الطارئة.
لهذا السبب تحديداً، أصبحت سياحة المؤتمرات أحد أهم القطاعات الأساسية في الاقتصاد السياحي الحديث، وركناً معتمداً في سياسات دول ومدن كثيرة.
هذا التحوّل لم يكن وليد الصدفة، فالمؤتمرات بدأت تاريخياً بوصفها أدواتٍ دبلوماسية لتنظيم العلاقات بين الدول، ثمّ اتّسعت وظائفها مع تطوّر المجتمعات لتشمل الاقتصاد، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، والإعلام.
ومع تطور الطيران والاتصال والعولمة، خرجت المؤتمرات من إطارها البروتوكولي، ودخلت مجال الصناعة والسياحة، لتصبح المعرفة نفسها مورداً اقتصادياً ولا سيما بعد تنامي المؤتمرات الكبيرة التي تتجاوز مئات الآلاف من المشاركين وهذه بحدّ ذاتها أداة من أدوات القوة الناعمة.
في منطقتنا، التقطت بعض الدول هذه الفكرة مبكراً، وتعاملت مع المؤتمرات بوصفها استثماراً طويل الأمد، استثمرت في انشاء مراكز ومدن المؤتمرات المتخصصة، وتجهيزها بالبنى التحتية من قاعات وفنادق ومرافق خدمية وإعلامية وكوادر مدرّبة، وربطت المؤتمرات بالثقافة، والتجارة، والبحث العلمي، والتقنية.
تجاوزت بذلك الحدث الظرفي إلى كونها جزءاً من منظومة اقتصادية وثقافية متكاملة، تثمر عوائد مالية مهمة، تسهم في تحسين الصورة الدولية، وخلق فرص عمل، وتنشيط قطاعات واسعة مرتبطة بها.
غير أنّ أهمية سياحة المؤتمرات لا تتوقف عند المال.
فهي بطبيعتها مساحة تلاقٍ بين المجتمعات، ولغة هادئة للتقارب والانفتاح، تسهم في نشر ثقافة الاعتدال، وتخفيف حدّة الصور النمطية.
كما أنها تعكس قدرة الدولة على التنظيم واحترامها للمعرفة وثقتها بنفسها.
ولهذا تُعدّ سياحة المؤتمرات اليوم مؤشراً على «هيبة الدولة» وحضورها الدولي بقدر ما هي قطاع اقتصادي.
موقع جغرافي
في المقابل، ورغم ما يمتلكه العراق من موقع جغرافي مؤثّر، وعمق حضاري، وتنوّع ثقافي، وطاقات بشرية قادرة، ما زال هذا القطاع محدود الحضور.
لا توجد مدينة متكاملة للمؤتمرات، ولا بنى تحتية متخصصة، ولا منظومة واضحة لإعداد الكوادر، فغالباً ما تُقام المؤتمرات وحتى الرسمية منها في قاعات متفرقة، بوصفها مناسبات تُستهلَك لحظتها وتنتهي، دون أن تُدمج ضمن رؤية سياحية أو اقتصادية أو ثقافية أو سياسية أشمل.
وهنا لا يبدو الأمر مسألة نقص إمكانات، بقدر ما هو «غياب فلسفة»، فمن غير الملائم، مع الموقع التأريخي الذي يشغله العراق في الذاكرة الإنسانية، ومع بعده الجيوبوليتيكي، ومستوى الطموح الذي يُفترض أن يعبّر عنه بلد بهذا الثقل، أن يبقى دون مؤسسات مؤهّلة، وبنى تحتية متخصصة، وكوادر قادرة على تنمية قطاع «سياحة المؤتمرات» بما يتلاءم مع الواقع العالمي والإقليمي.
فالدول لا تُقاس بما تملكه من عناصر قوة فقط، وإنما بقدرتها على تحويل هذه العناصر إلى مشاريع مدروسة وفاعلة.
من هنا جاءت كتابة هذا المقال في محاولة لإعادة الفكرة إلى الواجهة، ولاسيما مع الوضع الاقتصادي الراهن الذي يحتم تنشيط الموارد غير النفطية وهي دعوة إلى البدء من حيث انتهى الآخرون.
ومع يقيني بقدرة العراق على ذلك، متى ما توفّرت إرادة واضحة تتبنّى هذا القطاع بوصفه جزءاً من مهابة الدولة وتصدير الثقافة العراقية لتكون ركناً من أركان الحضور في عالم باتت فيه المعرفة، والتنظيم، والحوار، عناصر أساسية في بناء الاقتصاد والهوية معا.