الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في ذكرى تأسيس الجيش العراقي .. حين يكون الوطن بندقية والتاريخ درعاً

بواسطة azzaman

في ذكرى تأسيس الجيش العراقي .. حين يكون الوطن بندقية والتاريخ درعاً

سارة طالب السهيل

 

في ذكرى تأسيس الجيش العراقي، لا نستحضر تاريخ مؤسسة عسكرية فحسب، بل نستدعي سيرة وطنٍ كامل، وذاكرة أرضٍ تعلّمت الحرب قبل أن تُسمّى حربًا، وتعلّمت التنظيم قبل أن تُكتب القوانين، وتعلّمت معنى “الجيش” يوم كان الإنسان العراقي يحرس الحضارة لا الحدود فقط.

الجيش العراقي ليس وليد لحظة سياسية عابرة، ولا نتاج قرار إداري مؤقت، بل هو الامتداد الطبيعي لأول جندي عرفه التاريخ. فمنذ فجر الحضارات الأولى في سومر، حين نُظِّمت الصفوف لحماية المدن والمعابد، مرورًا بأكد التي وحّدت الأرض بالقوة والنظام، وبابل التي جمعت السيف مع القانون، وآشور التي شيّدت مفهوم الدولة العسكرية المنضبطة، كان العراق يكتب مبكرًا معنى الجندية بوصفها وظيفة حضارية، لا مجرد أداة قتال.

جذر عميق

لم يكن الجندي العراقي القديم مقاتلًا فقط، بل حارسًا للنظام، ومدافعًا عن فكرة الاستقرار، وعن حق الإنسان في أن يبني، ويزرع، ويكتب، ويعبد، ويختلف. ومن هذا الجذر العميق، وُلد الجيش العراقي المعاصر قبل نحو قرن ونيف، ليحمل في روحه إرث آلاف السنين، لا مجرد بنادق وأزياء.

تُعدّ الحضارة السومرية أول من أسّس نواة الجيش المنظّم في التاريخ، لا كجماعات قتالية عشوائية، بل كقوة رسمية تابعة للمدينة–الدولة، تحمل معنى النظام والدفاع معًا. ويشهد على ذلك أقدم توثيق حربي عرفته الإنسانية، لوحة «نسور لكش»، التي تُظهر الجنود وهم يسيرون في صفوف منتظمة، لتُعلن أن فكرة الجيش النظامي وُلدت هنا، على أرض العراق. ثم بلغ الفكر العسكري الرافديني ذروته مع الإمبراطورية الآشورية، التي أنشأت أول جيش محترف دائم في التاريخ، جيشًا قائمًا بذاته، منظمًا ومدرّبًا، يشكّل عماد الدولة وقوتها. ومن هذا الامتداد الحضاري العميق، وُلد الجيش العراقي الحديث عام 1921، امتدادًا لا انقطاعًا، وحلقة جديدة في سلسلة الجندية العراقية عبر العصور

الجيش العراقي هم أبناء العراق هم صورة الوطن المكتملة ،هو خريطة الوطن من البصرة الى زاخو.

الجيش العراقي هو العراق حين يقف شامخاً. هو الشيعي جنبًا إلى جنب مع السني، وهو المسيحي مع المسلم، وهو الكلداني مع الآشوري،

وهو الصابئي، واليهودي العراقي المنتمي للأرض والهوية، الذي شارك في حروب العراق دفاعًا عنه حين كانت المعركة معركة وطن لا شعارات. وهو الإيزيدي، والكردي، والعربي، وهو ابن الريف والقبيلة، وابن المدينة والحاضرة،

كلهم إخوة في خندق واحد، لأن الخندق لم يكن طائفيًا ولا قوميًا، بل عراقيًا خالصًا. في الجيش العراقي لا يُسأل الجندي: من أنت؟ بل يُسأل: أين تقف حين يُنادى العراق؟ جيش لم يُهزم فتكالبت عليه الأمم!!!

لم يُهزم الجيش العراقي يومًا، ولم يقدر على هزيمته أحد،

فلما اقتحم الأغراب أرض العراق لم يكن الجيش العراقي مهزومًا.

ولهذا السبب تحديدًا، لم تواجهه قوة واحدة، بل تكالبت عليه قوى الشرق والغرب، وتحالفت جيوش نظامية مع جيوش ظلّ، سلاح مع إعلام، رصاصة مع شاشة، دبابة مع منصّة إلكترونية،  دبلوماسية مغلقة. فكانت حرب دعاية، وحربًا نفسية، وحربًا معلوماتية منظمة،

واشتغلت بلدانٌ بأكملها ضد العراق، دُفعت أو استُخدمت لتكون طابورًا خامسًا إقليميًا.

مواجهة عسكرية

لا ليُغلب العراق في مواجهة مباشرة، بل ليستنزف من كل الجهات، ويُحاصر بجغرافيات العداء، ويُنهك عبر حروب بالوكالة.

لم تكن المواجهة عسكرية فقط، بل كونية. حتى إنهم كانوا يعترفون  صراحة أو ضمنًا  أن ميزان القوة لا يكفيه جيش واحد ولا دولة واحدة، بل يحتاج عالمًا كاملًا، وكرة أرضية متجمّعة، ليكون الدفع في الجهة الثانية… العراق.

العراق العظيم لم يكن يومًا طارئًا على التاريخ، هو ثابت فيه. في كل الأزمنة والحقب، كان مستهدفًا لأنه مركز، ومحاصرًا لأنه أصل، ومحاربًا لأنه عصيّ على الذوبان.

والجيش العراقي، بكل ما مرّ به من جراح ومحن، بقي شاهدًا على حقيقة واحدة:

أن الجندي العراقي لا يحمل السلاح دفاعًا عن سلطة، بل عن معنى الانتماء، وأن العقيدة العسكرية العراقية بقيت مرتبطة بالأرض، وبالوطن، وبالإنسان العراقي. في ذكرى تأسيس الجيش العراقي، لا نحتفل بتاريخٍ مضى، بل نؤكد عهدًا مستمرًا أن العراق، الذي أنجب أول جندي في التاريخ،

لن يعجز عن إنجاب من يحميه دوما وفي كل الحقب ما دام فيه نفس يتنفس، وذاكرة ترفض النسيان. تحية إلى أبناء الجيش العراقي،

إلى من حملوا الوطن في صدورهم قبل أن يحملوه على أكتافهم،

إلى من عرفوا معنى الوقوف في العراء ليبقى العراق واقفًا،

إلى من ناموا على صوت الخطر ليستيقظ الناس على الأمان.

تحية لكل جندي مرّ من هنا،

ولكل أمٍ ودّعت،

ولكل أبٍ صبر،

ولكل روحٍ آمنت أن العراق يستحق.

إلى أرواح شهدائنا العظماء الذين لهم أمجادا في الأرض وعزا في السماء

إلى أمهات الشهداء إلى الجندي المجهول  إلى الجنديات من النساء العراقيات

كل عام وأنتم درع العراق،

وكل عام والعراق بكم أقوى،

وبكم باقٍ… وبكم عظيم.

المجد للعراق

والمجد لجيشه،

ذاكرة الأرض، ودرع الحضارة.

 


مشاهدات 96
الكاتب سارة طالب السهيل
أضيف 2026/01/06 - 3:32 PM
آخر تحديث 2026/01/08 - 2:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 90 الشهر 5231 الكلي 13112654
الوقت الآن
الخميس 2026/1/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير