سقوط النظام الدولي.. فنزويلا وإيران في مرآة الهيمنة
حمدي العطار
لم تعد التحولات الدولية الراهنة اختلالات ظرفية في ميزان القوى فحسب ، بل أصبحت مؤشراً صارخاً على انهيار المنظومة التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فما نشهده اليوم هو انتقال واضح من منطق “النظام الدولي” إلى منطق “القوة العارية”، حيث تختزل السياسة في إرادة القوي، ويفرّغ القانون الدولي من معناه الأخلاقي والإنساني.
تأتي عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته – وفق ما تداوله الإعلام – من قبل قوات دلتا أميركية، لتكشف هذا الانهيار بأوضح صوره. فالتبريرات التي رافقت العملية لم تكن سوى خطاب دعائي متقلب:
مرة بتهمة الاتجار بالمخدرات، وتحميله مسؤولية وفاة مئات الآلاف من المدمنين الأميركيين، ومرة بتصريح فاضح للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب: «نفطنا عاد لنا»، في اعتراف غير مسبوق بأن الدافع اقتصادي استعماري خالص، وثالثة بذريعة أن فنزويلا تشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي.
إن هذا التعدد في الذرائع ليس دليلاً على قوة الحجة، بل على فراغها. فحين تفشل السياسة في إنتاج شرعية مقنعة، تلجأ القوة إلى تبديل الأقنعة، لا إلى تغيير الجوهر.الأخطر من العملية ذاتها هو رد الفعل الدولي الباهت: استنكار فرنسي خجول، صدمة صينية محسوبة، وأمم متحدة تكتفي ببيانات غامضة عن “القلق”. هذا الصمت لا يعكس عجز المؤسسات الدولية فحسب، بل يكشف تحولها إلى أدوات شكلية تستدعى لتجميل القرارات لا لمحاسبتها.
نظام دولي
من هنا يمكن القول إن النظام الدولي القائم على التوازن، والذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية، قد انتهى عملياً. أما “النظام الدولي الجديد” الذي بشرت به الولايات المتحدة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، فلم يكن سوى غطاء أيديولوجي لمرحلة الهيمنة الأحادية، وقد سقط هو الآخر مع أول اختبار حقيقي لتعدد مراكز القوة.وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى في فنزويلا عن ما تتعرض له إيران منذ عقود. فالعلاقة بين البلدين ليست تحالفاً سياسياً عابراً، بل تقاطع مصالح ومصير مشترك في مواجهة النموذج ذاته من العقوبات، والحصار، والتهديد، ومحاولات إسقاط الأنظمة خارج الإرادة الوطنية. كلاهما يمتلك ثروة استراتيجية (النفط والغاز)، وكلاهما رفض الانخراط في منظومة الطاعة الأميركية، وكلاهما دفع إلى خانة “التهديد للأمن القومي” بوصفها التهمة الجاهزة لكل من يخرج عن بيت الطاعة. وإذا افترضنا – جدلاً – أن الرئيس الفنزويلي متهم، فما ذنب زوجته؟ هذا السؤال البسيط يفتح الباب أمام نقد ثقافي أعمق: لقد سقطت كل الأقنعة الأخلاقية عن الرأسمالية المعاصرة، ولم تعد الديمقراطية وحقوق الإنسان سوى أدوات خطابية تستحضر عند الحاجة وتدفن عند التعارض مع المصالح.
إن ما يمنع اندلاع حرب عالمية ثالثة اليوم ليس حكمة النظام الدولي، بل توازن الرعب النووي. فالسلاح النووي هو ما يكبح اندفاع الولايات المتحدة تجاه كوريا الشمالية، التي أعلنت قدرتها على ضرب الساحل الغربي الأميركي، وهو ذاته ما يجعل واشنطن تحسب خطواتها بدقة تجاه إيران، في ظل الشكوك الدائمة بامتلاكها قدرة نووية رادعة.
منظومة اميركية
ما يحدث في فنزويلا ليس حادثة معزولة، بل رسالة موجهة لكل الدول التي تحاول بناء قرارها السيادي خارج المنظومة الأميركية، وإيران في مقدمتها. نحن أمام عالم لم يعد تحكمه القواعد، بل الاستثناءات، ولم تعد تضبطه القوانين، بل موازين القوة. وفي ظل هذا المشهد، يصبح السؤال الثقافي والسياسي الأهم: هل نعيش نهاية النظام الدولي، أم بداية مرحلة أكثر توحشاً تدار باسم الشرعية وتنفذ بمنطق الغلبة؟